وقفت فى شرفة منزلى أتطلع إلى زينة رمضان المنتشرة على جدران المنازل المجاورة، ثم سرحت فيما مررت به من غدر وخيانة الأصحاب أو من كنت أظنهم أصحابا.. فى البداية لم أفهم ماحدث، لكن مع الوقت أدركت أن المشكلة لم تكن فيهم وحدهم.. بل فى ثقتى التى كانت بلا حدود.
لم يكن الدرس سهلا ، أو بسيطا واحتجت وقتا طويلا لاقتنع أن بعض القلوب لا تشبهنا مهما اقتربت، أو تظاهرت بذلك..وأن الخداع أصبح فناً والغدر أصبح منطقاً والخيانة أسلوب حياة البعض.
حين يأتى الوقت وتقرر الأحداث والمواقف أن تكشف الوجوه،وتظهرالناس «على حقيقتها» لاتفعل ذلك برفق، أو «حنية» بل بصفعة شديدة، تدرك معها أن بعض الابتسامات لم تكن سوى ستار يخفى قلبا أسود عاش سنوات يحقد عليك، وينتظر الوقت ليشارك فى التآمر عليك.
الحقيقة التى تكتشفها مؤخرا هى بكل صراحة أن الخذلان لا يأتى من بعيد، بل يولد من حيث لا نتوقع، من يدٍ حسبناها سندا، ومن قلبٍ ظنناه مأمنا ومن ذكور رأيناها صادقة.. والوجع الحقيقى ليس فى الفعل ذاته، بل فى انكسار الصورة التى رسمناها، والمكانة التى منحناها وفى يقينٍ أعطيناه لمن لايستحق.
لا أعرف لماذا تحضرنى الآن حكمة أمير المؤمنين الإمام على بن أبى طالب- كرم الله وجهه- حين قال: «مَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مَوَاضِعَ التُّهَمَةِ فَلا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ».. «فالقياس مقلوب والمعنى الظاهر مختلف».
تجلسُ مع نفسك بعد الصدمة،بعد «الكف» تحاول أن تفهم: «لماذا؟.. كيف؟.. ليه؟» كيف كنت صادقا بينما كان الآخرون بارعين فى التمثيل؟ كيف أعطيت الكثير ويكون هذا هو المقابل؟.. مؤلمٌ الخذلان ومتعب الشعور بخيانة الأصدقاء وغدر من ظننت أنهم أوفياء.
قد يقول البعض اترك الأمر لعدل الله، فهو أدق حسابا وأسمى إنصافا.. كما قال الفضيل بن عياض- رحمه الله-: «مَنْ عَامَلَ اللهَ بِالصِّدْقِ كَفَاهُ اللهُ مُؤُونَةَ النَّاسِ».. فمن جعل وجهته للسماء، لايضره من ضل فى الأرض.
وقد يقول آخرون امض بسلام، واترك خلفك ضجيج الوجوه المتبدلة والقلوب القذرة، فالأيام وحدها كفيلة بفرز معادن الناس، وفضحها والسماء لا تترك حقًا دون ميزان. واجعل يقينك فيما عند الله، فالوجع لم يأتِ ليكسرنا، بل ليوقظنا ويجعلنا نمضى بثبات.
وفريقٌ أخير يقول لا تترك حقك واختر التوقيت المناسب لرد ما فعلوه من غدر وخيانة.. فيما اقول : لا تجعل مرارة الموقف تدفعك إلى «أن تأكل نفسك». حتى لا تخطئ عندما تقرر ماذا ستفعل.









