
رمضان.. شهرٌ تتجدد فيه الصلة بين الإنسان وكلام الله.. شهرٌ تتخفف فيه النفس من أثقالها، فتقترب الروح من المعاني، وتعلو حالة الهداية.. حين يهدأ ايقاع الجسد وتصفو نداءات الذات..ويصبح القرآن خطابًا يُسمع، ونورًا يُستقبل، ومنهجًا يعاد اكتشافه.
فى الشهر الكريم يلتقى الزمان المقدس بالنص المقدس، فتولد علاقة حية لا تعرف الجمود، علاقة تجمع بين القراءة والتدبر.. بين اللفظ والمعني.. بين قيمة النص وفاعلية الخطاب.
الجمهورية ناقشت مع د.محمد عبدالدايم الجندى – أمين عام مجمع البحوث الإسلامية القرآن فى رمضان: كيف نقرأه؟ وكيف نفهمه؟ وكيف نعيده من كتابٍ فى الأيدى إلى بوصلةٍ فى القلوب والعقول؟ حوار يتجاوز الختمات إلى المقاصد، ويتخطى التلاوة إلى البناء، ويعيد للقرآن حضوره كرسالة حياة، ليس موسماً عابرًا.
> «شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن».. هل الآية تتحدث عن ارتباط زمنى بحدث نزول الوحي، أم أن هناك خصوصية مستمرة ومتجددة بين القرآن ورمضان؟
>> الآية الكريمة توثيق تاريخى لواقعة نزول القرآن الكريم فى شهر رمضان، وهذا يرسخ قدسية الزمان ويجعله مميزًا عن سائر الشهور، وإشارة إلى علاقة مستمرة ومتجددة بين القرآن ورمضان، وهى علاقة تتجاوز مجرد التوقيت لتصبح رابطة روحية ومعنوية يعيشها المسلمون فى كل عام، فالقرآن نزل للعالم كله ليكون هدى ونورًا، ورمضان شهر يُهيئ النفوس لاستقبال هذا النور لذلك نجد المسلمين فى رمضان يزدادون قربًا من القرآن، وكأن الآية تقول: هذا الشهر ليس فقط زمن نزول الوحي، بل زمن تجدد الوحى فى القلوب، وتجدد علاقة الإنسان بكتاب الله، كما تتحدث عن علاقة استدامة، حيث يظل رمضان زمن يتجدد فيه حضور القرآن بحياة المسلمين عبر التلاوة والتدبر والعمل.. فالزمان هو رمضان، والمكان هو العَالَم، والحدث هو نزول القرآن، والحديث هو الخطاب الإلهى للإنسان..وهذا التناغم بين الزمان والمكان والحدث يجعل رمضان شهرًا عالميًا للقرآن، لا يقتصر على واقعة تاريخية بل يمتد أثره إلى حاضر المسلمين ومستقبلهم.
> نلاحظ فى الآية ذاتها تقديم ذكر القرآن على فرضية الصيام، فهل لهذا التقديم دلالة معينة؟
>> بالضرورة التقديم هنا ليس عشوائيًا بل مقصود ومحمول على دلالة عميقة، فالقرآن الأصل الذى تُستنبط منه العبادات، والمرجع الذى يَرسم خارطة العقيدة والشريعة والمعاملات.. فالصيام نفسه مذكور فى القرآن، وجاءت السُنة لتفصيل كيفية أدائه وغاياته، ولذلك كان من الطبيعى أن يُقدم القرآن، لأنه المرجع الذى تنبثق منه العبادة وتنفذ على إرادة الله، والآية تحمل ترتيبًا ثلاثيًا: القرآن مقدمة، ثم الصيام وسيلة، ثم النتيجة التقوي.. وكأن الآية تقول: بالقرآن تُشْرَع العبادة، وبالعبادة تتحقق التقوي، وهذا منطق مقدمة ونتيجة، كما إن الترتيب يُرسِّخ فكرة أن القرآن ليس كتابًا للقراءة فقط، بل كتاب حياة يرسم الطريق ويحدد الغاية.. مما يجعلنا نستوعب أن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل وسيلة تحقيق التقوي، والقرآن يحدد هذه الغاية ويشرحها، لذلك جاء التقديم ليؤكد أن القرآن الأصل، وأن العبادة تنبثق منه وتعود إليه.
> الصيام يهيئ النفس لتلقى الرسالة الإلهية، كما كان النبى «صلى الله عليه وسلم»، يتعبد قبل نزول الوحى.. رأيكم؟
>> الصيام أشبه بعملية «ضبط إعدادات» القلب والعقل والروح، فكما لا يعمل الجهاز إلا بعد ضبط إعداداته، كذلك لا تستقبل النفس أنوار القرآن إلا إذا تهذبت بالصيام، والصيام يصفى القلب من الشهوات، ويضبط الفكر والوجدان، فيصبح الإنسان مهيأً لتلقى الخطاب القرآنى بصفاء ونقاء، والصيام يحقق حالة سكينة داخلية، يخفف من ضوضاء الجسد، ويمنح الروح فرصة للتركيز على المعنى لذلك نجد أن رمضان شهر يزداد فيه المسلمون قربًا من القرآن، لأن الصيام يهيئهم نفسيًا وروحيًا لاستقبال الهداية القرآنية، والعكس صحيح أثناء الصيام تتعطش النفس بعذوبة آيات الله، فالعلاقة بين الصيام والقرآن علاقة إعداد واستقبال، حيث يهيئ الصيام الأجواء الروحية لاستقبال الهداية القرآنية وكأن الصيام يقول للإنسان أفرغ قلبك من الشهوات، لتملأه أنوار القرآن.
> بحكم الخبرة والبحث هل المسلم يعيش مع القرآن فى رمضان بصورة مختلفة عن باقى العام؟
>> رمضان له خصوصية روحية تجعل لتلاوة القرآن وقعًا مختلفًا.. والمسلمون فى هذا الشهر يحرصون على الختمة، ويشعرون أن تلاوتهم جزء من عبادة رمضان، اقتداءً بما فعله جبريل عليه السلام حين عرض القرآن كاملاً على النبى «صلى الله عليه وسلم»، فى رمضان، ولذلك نرى الناس يقولون ختمت مرة أو مرتين أو ثلاثًا، لأنهم نفسيًا وروحيًا مهيأون لذلك الأجواء الرمضانية، خصوصًا فى مصر، تضفى على التلاوة طابعًا وجدانيًا وروحيًا يجعل القرآن فى رمضان ذا مذاق خاص لا يتكرر فى غيره.
> قراءة القرآن فى رمضان الأولى بها أن تكون قراءة تدبرية عميقة، أم قراءة كمية لتحقيق أكبر عدد من القراءات؟
>> كلا المنهجين فيه خير فمن يكثر التلاوة والختمات له أجر عظيم، ومن يتدبر له أجر التدبر والتلاوة؛ لكن الأكمل هو الجمع بين الحسنيين.. بمعنى أن يخصص المسلم وقتًا للتلاوة والختمة، وفى الوقت نفسه يتوقف عند بعض الآيات ليتدبر معانيها حتى لو كانت ثلاث أو أربع آيات يوميًا، فهذا يحقق التوازن بين الكم والكيف، وعلينا التعامل مع رمضان أنه شهر الجمع بين التلاوة والتدبر، والفقهاء يقولون الجمع أولى من الترجيح.. لذلك أرى أن المسلم ينبغى أن يحرص على الختمة، وفى الوقت نفسه يخصص وقتًا للتدبر، ولو بآية واحدة يوميًا بهذا يجمع بين العبادة والمعرفة.
> كيف يمكن عمليًا أن نحقق التدبر فى القرآن الكريم؟
>> التدبر لا ينفصل عن الفهم، والفهم يحتاج إلى تفسير ولو مختصر، ولذلك من المهم أن يقرأ المسلم التفسير الموجز، ليعيش مع المعنى وهو يتلو الآية ومعنى التدبر هو أن يفتح القارئ وعيه على النص، فيتفاعل معه وجدانيًا وعقليًا ولا يكتفى بمجرد التلاوة الصوتية، بل لا بد من فهم يرافقها، وبهذا يصبح التدبر تفسيرًا حيًا يعيشه القارئ فى أجواء الآيات، وبالضرورة الإنسان لن يعيش أجواء النص إلا إذا فهمه، ولن يتفاعل معه إلا إذا وعى معناه. لذلك نحن بحاجة إلى تفسير ولو مختصر، ليكون مع القارئ وعى معرفى يتدبر من خلاله.
> إلى أى مدى يجوز لكل مسلم أن يستنبط المعنى بنفسه أثناء قرائته، أم أن ذلك يحتاج ضوابط؟
>> الأمر يتوقف على مستوى المعرفة والثقافة، والمثقف أو العالم الذى لديه وعى بالقرآن واللغة يمكن أن يستنبط المعنى بدرجات متفاوتة، أما المبتدئ فيحتاج إلى تفسير معتمد.. وحرية التدبر إذن ليست معيارًا مطلقًا للجميع بنفس الدرجة، بل يتحدد بمعيار المعرفة بعد أن يعرف الإنسان المعنى الأساسى من ألفاظ الآيات حسب اللغة والتفسير يمكنه أن يستلهم أو بتأمل مراد الله حسب ما يدركه وهذا أيضاً من قبيل التدبر لكلام الله.
> هل الأصل أن نتعامل مع القرآن أنه نَصٌ مقدس من الله تعالى، أم أنه خطاب إلهى موجه للإنسان؟
>> القرآن الكريم يجمع بين الأمرين معًا، ولا يمكن الفصل بينهما فهو نَصٌ مقدس لأنه من عند الله، وهذا يمنحه مكانة خاصة لا تضاهيها أى نصوص أخري، ويقتضى احترامه وتقديره وصيانته من أى عبث أو تحريف..وفى الوقت نفسه خطاب إلهى موجه للإنسان، يحمل رسائل عملية وتوجيهات حياتية، ويخاطب العقل والوجدان والروح، وإذا نظرنا إلى القرآن باعتباره نصًا مقدسًا فقط، فإننا نغفل وظيفته العملية فى حياة الإنسان.. وإذا نظرنا إليه باعتباره خطابًا فقط، فإننا نغفل قداسته ومصدره الإلهي، لذلك لا بد من الجمع بين الأمرين: القداسة والخطاب، والقرآن بهذا المعنى كتاب هداية وحياة، وليس مجرد نص يُقرأ أو يُحفظ.
>ألاحظ أن المدرسة المصرية فى التلاوة تساعد فى قابلية الإنسان للتدبر.. هل هذا صحيح؟
>> ملاحظة صحيحة المدرسة المصرية فى التلاوة تتميز بعمق وجدانى وروحى يجعل المستمع يعيش مع المعنى من خلال الأداء الصوتى وحده.. وكبار القراء المصريين مثل المشايخ: مصطفى إسماعيل، وعبدالباسط عبدالصمد، ومحمود خليل الحصري، وغيرهم، جعلوا التلاوة وسيلة لايصال المعنى بإحساس وجداني، حتى دون تفسير مكتوب، فالمستمع يعيش حالة وجدانية خاصة، حيث ينقل الأداء الصوتى المعنى إلى القلب مباشرة، فيشعر المستمع أنه يعيش مع الآية ويتفاعل معها وجدانيًا وروحيًا، وهذا أثر عميق يميز المدرسة المصرية ويجعلها قادرة على تحريك القلوب نحو التدبر، حتى لمن لا يملك ثقافة تفسيرية واسعة، وهى مَدْرَسة تجمع بين الأداء الفنى والروحاني، وتحقق تأثيرًا مزدوجًا تعليمًا لمخارج الحروف وضبطًا للتلاوة،وهذا ما يجعل رمضان فى مصر له مذاق خاص، حيث تصبح التلاوة جزءًا من الثقافة الشعبية والروح الجماعية، وتؤثر على قابلية الإنسان للتدبر والتفاعل مع القرآن.
> على ذكر ضبط مخارج الحروف.. ماذا عمن لا يجيد أحكام التجويد؟
>> الأدق أن يحرص المسلم على تعلم التجويد وأحكام التلاوة بقدر استطاعته، لأن القرآن نزل بلسان عربى مبين، والتجويد يساعد على إخراج الحروف من مخارجها الصحيحة وإعطاء النص القرآنى حقه من الأداء لكن فى الوقت نفسه، لا ينبغى أن يحرم المسلم نفسه من نور القرآن بسبب ضعف فى النطق أو قلة خبرة، والمبتدئ الذى يجتهد فى القراءة، حتى لو أخطأ، له أجران أجر التلاوة وأجر المشقة، كما ورد فى الحديث الشريف وهذا يفتح الباب أمام الجميع ليتصلوا بالقرآن دون خوف أو تردد.. وفى الوقت نفسه على المسلم أن يسعى لتطوير نفسه بالتعلم والاستماع للقراء الكبار، مثل الشيخ الحصرى والشيخ مصطفى إسماعيل وغيرهما، لأن الاستماع خبرة والتلاوة خبرة، وكلاهما يعين على صحة القراءة.
> هل يمكن أن نعتبر كل سورة فى القرآن وحدة مستقلة تحمل رسالة خاصة، أم أن السور مرتبطة ببعضها فى سياق عام؟
>> كل سورة فى القرآن تحمل رسالة خاصة لها موضوعها الذى يميزها لكن فى الوقت نفسه، السور مرتبطة ببعضها فى سياق عام، حيث تكمل بعضها بعضًا وتحقق وحدة موضوعية، مثلاً سورة البقرة تحمل رسالة التشريع والعبادة، وسورة آل عمران تحمل رسالة الثبات على العقيدة، وسورة النساء تحمل رسالة العدالة الاجتماعية. لكن جميعها تكمل بعضها لتشكل صورة متكاملة للمنهج الإسلامي، ويمكن اعتبار كل سورة وحدة تحليلية مستقلة، وفى الوقت نفسه جزءًا من بناء متكامل. وهذا يعكس طبيعة القرآن، فهو كتاب شامل يجمع بين الاستقلالية والتكامل، بين الجزئية والكلية.
> القرآن الكريم كان له أثر كبير فى بناء الفرد والمجتمع فى فَجْر الإسلام..كيف يمكن اليوم أن يحقق نفس الأثر فى المجتمع المعاصر؟
>> القرآن الكريم فى صدر الإسلام لم يكن مجرد نَصٍ يُتلي، بل كان مشروع حياة متكامل. الصحابة تعاملوا معه باعتباره منهجًا يوجه العقل والقلب والجوارح، فبنى مجتمعًا متوازنًا قائمًا على قيم العدل والرحمة والتكافل.
اليوم يمكن أن يحقق القرآن نفس الأثر إذا فعلنا جميع الجوانب التى يخاطبها:
العقلي: بالتدبر والفهم، حيث يفتح القرآن آفاق التفكير ويحرر العقل من الجمود، والروحى بالتلاوة والخشوع، حيث يربط الإنسان بربه ويمنحه السكينة، والوجدانى بالإحساس بالآيات، حيث يحرك المشاعر ويغذى الضمير، والعملى عبر تطبيق الأحكام والقيم فى الحياة اليومية، فى المعاملات والأخلاق والعمل، وإذا استعاد القارئ هذا التفاعل الشامل، سيعود القرآن ليؤسس مجتمعًا متوازنًا كما أسس الجيل الأول.. شريطة أن يكون هذا الفهم مستنير حقيقى واقعى متجدد كما أراد الله من آياته.
> كيف ترى دور القرآن الكريم فى مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة، مثل الإلحاد أو التشكيك فى الدين؟
>> القرآن الكريم كتاب يخاطب العقل الإنسانى وقادر على مواجهة التحديات الفكرية مثل الإلحادمن خلال الأدلة العقلية والوجدانية على وجود الله، ومواجهة التشكيك فى الدين، وتقديم أدلة صدق الرسالة، والقيم الإنسانية العالمية، مثل العدل والرحمة والتكافل، وهى قيم لايمكن إنكارها أو رفضها، وقدرة القرآن قادر على مواجهة التحديات الفكرية لأنه يخاطب العقل والوجدان والروح، ويقدم أدلة عقلية ووجدانية وروحية. وهذا يجعله كتابًا عالميًا صالحًا لكل زمان ومكان.
> هل يمكن أن نقول إن القرآن الكريم هو مشروع حضارى، وليس فقط كتاب دينى؟
>> نعم، القرآن الكريم مشروع حضارى متكامل لا يقتصر على العقيدة والعبادة، بل يشمل المعاملات والأخلاق والسياسة والاقتصاد والاجتماع، فهو كتاب حياة يرسم منهجًا متكاملاً لبناء الفرد والمجتمع والدولة، وفى صدر الإسلام، كان القرآن المرجع الذى بنى حضارة متوازنة قائمة على قيم العدل والرحمة والتكافل واليوم يمكن أن يكون القرآن مشروعًا حضاريًا إذا تعاملنا معه باعتباره منهجًا للحياة، وليس مجرد نص.









