> اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخري، ليس حدثًا عابرًا فى تاريخ الإقليم، بل زلزالٌ استراتيجى تتجاوز ارتداداته حدود ساحات القتال. فالحروب الكبرى لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التى أُطلقت أو الأهداف التى دُمّرت، وإنما بما تُخلّفه من تحولات فى موازين القوي، وإعادة تشكيل الخرائط، وصياغة معادلات أمنية جديدة قد تستمر آثارها لعقود.
>بصرف النظر عن تفاصيل العمليات العسكرية أو مساراتها التكتيكية، فإن السؤال الجوهرى يتعلق بـ«اليوم التالي» ماذا سيحدث إذا خرجت إيران من هذه الحرب منهكة أو ضعيفة إلى حد التحول إلى نموذج مختلف تماما وربما شبيه بالحالة السورية أو العراقية؟ وماذا لو تم تفكيك أذرعها الإقليمية أو تحجيمها بصورة جذرية؟ فى هذه الحالة، لن يكون التغيير محصورًا فى الداخل الإيراني، بل سيمتد ليُحدث خللاً عميقًا فى ميزان القوى الإقليمي.
>طوال العقدين الماضيين، قامت معادلة الصراع فى الشرق الأوسط على توازن ردع غير مباشر بين إسرائيل ومحور تقوده إيران عبر أذرع إقليمية فى لبنان وغزة واليمن وسوريا والعراق. هذا التوازن، رغم ما سببه من صراعات دامية، شكّل فى الوقت ذاته إطارًا محددًا للصراع وحدودًا واضحة للاشتباك. لكن إزالة أحد طرفى المعادلة أو إضعافه جذريًا قد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تمامًا.
>إذا اختفت أو تراجعت قوى مثل حماس وحزب الله والحوثيين، وتحوّلت إيران إلى دولة مشغولة بإعادة بناء ذاتها داخليًا، فإن إسرائيل ستجد نفسها فى وضع إقليمى غير مسبوق: قوة عسكرية متفوقة، بلا خصم إقليمى مباشر قادر على موازنتها. هنا يكمن جوهر القلق. فالتاريخ يُظهر أن اختلال التوازن لا يعنى بالضرورة الاستقرار، بل قد يغرى الطرف الأقوى بإعادة رسم قواعد اللعبة بما يتجاوز حدود الدفاع إلى آفاق النفوذ والتمدد.
>هذا السيناريو يضع الدول الكبرى المتبقية فى الإقليم « تركيا ومصر والسعودية « أمام تحدٍ استراتيجى جديد. فإذا تحولت إسرائيل إلى قوة متفردة بلا منافس إقليمى مكافئ، فقد تتغير طبيعة علاقاتها مع هذه الدول من إدارة صراع أو تنافس محسوب إلى حالة شد وجذب أكثر حدة، خاصة فى الملفات المرتبطة بالبحر الأحمر وشرق المتوسط والطاقة والنفوذ فى أفريقيا وآسيا الوسطي. كما أن باكستان، بما تمثله من ثقل عسكرى نووى فى العالم الإسلامي، قد تدخل فى حسابات التوازن الإقليمى بصورة أو بأخري.
>القلق هنا لا ينطلق من خطاب تعبوى أو رغبة فى إثارة المخاوف، بل من قراءة واقعية لمعادلات القوة. فالدول التى تفشل فى استشراف التحولات الكبرى غالبًا ما تجد نفسها فى موقع رد الفعل بدل الفعل. الأمن القومى العربي، وفى القلب منه الأمن القومى المصري، قد يواجه تحديات غير تقليدية فى حال تغيرت الخريطة الإقليمية جذريًا. مصر، بحكم موقعها الجغرافى ودورها التاريخى وثقلها السكانى والعسكري، ليست بعيدة عن أى إعادة تشكيل لموازين القوى فى الشرق الأوسط.
>لقد اعتادت المنطقة على تعددية مراكز القوة، حتى وإن كانت متصارعة. أما سيناريو التفرد، فهو سيناريو مختلف يحمل فى طياته احتمالات إعادة تعريف مفاهيم الردع والتحالفات والتهديدات. وقد نشهد تحولات فى أنماط التحالف، وربما سباق جديد نحو التسلح، أو إعادة صياغة للتحالفات الإقليمية بصورة >تتجاوز الانقسامات التقليدية بين «محاور».
>من هنا تأتى الدعوة إلى «القلق الواجب». ليس القلق بوصفه حالة هلع أو تشاؤم، بل باعتباره أداة تفكير استراتيجي. القلق الذى يدفع إلى الاستعداد، وإعادة تقييم الأولويات، وبناء شبكات تحالف مرنة، وتعزيز القدرات الذاتية سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. فالاستقرار الحقيقى لا يُبنى على افتراض دوام التوازنات القائمة، بل على الجاهزية للتعامل مع انهيارها.
>التاريخ يعج بأمثلة دول انشغلت بدفء اللحظة الراهنة، مطمئنة إلى أن الأمور ستظل كما هي، حتى وجدت نفسها فى مواجهة واقع جديد لم تُعد له العدة. فلسفة «الضفدع فى الماء الدافئ» ليست مجرد استعارة بل تحذير: التغيرات الكبرى غالبًا ما تبدأ تدريجية، ثم تتسارع فجأة. ومن لا يقرأ إشاراتها المبكرة يدفع الثمن لاحقًا.
>إن قراءة سيناريوهات ما بعد الحرب ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة استراتيجية. قد تنتهى الحرب سريعًا أو تطول، قد تُصنف كضربات محدودة أو كحرب إقليمية شاملة، لكن المؤكد أن نتائجها لن تكون عابرة. السؤال ليس هل نقلق، بل كيف نقلق بطريقة بنّاءة، وكيف نحوّل القلق إلى خطط واستعدادات ورؤية واضحة تحمى مصالحنا وتُحصّن أمننا القومى فى عالم لا يعرف الثبات.








