- الخبراء: تحديات غير مسبوقة في الخليج وثلاثة سيناريوهات للتعامل
- تنويع مصادر الاستيراد وتعدد الخيارات اللوجستية وتعزيز المخزونات الاستراتيجية
- الذهب هو «الملك».. الاحتفاظ بالسيولة ضرورة والابتعاد عن المضاربة
فى مشهد مرتبك تتصاعد أحداث الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، دافعة كافة الأطراف للدخول فى نطاق الصراع، الأمر الذى ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية ، وحركة المستثمرين، ليصبح الاقتصاد العالمى أمام أكبر صدمة ممكنة تضرب شرايين التجارة والطاقة، خاصة بعد غلق مضيق هرمز والذى يمر من خلاله 20% من حجم النفط العالمى.
ويحذر الخبراء من تداعيات الحرب على اقتصاديات المنطقة ، وتحديدا دول الخليج العربى، مضيفين أن العالم سيوجه موجه جديدة من إعادة تسعير المخاطر، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتزايد الضغوط التضخمية، مؤكدين أن الاستثمارات تتجه نحو الملاذات الآمنة وسط حالة غير مسبوقة من عدم اليقين.

تعطل الإمدادات وإرتفاع تكاليف الإنتاج
أوضحت د. مها الشيخ، أستاذ سلاسل التوريد والدعم اللوجستي بجامعة الشرق الأوسط بالأردن، إن أثر النزاع على الاقتصاديات الإقليمية، والمحلية تُشكل تحديات قصيرة الأجل وأخرى طويلة الأجل، لافته إلى أن هناك آثار سلبية على النشاط الاقتصادي اليومي فى التجارة والطاقة والنقل والاستثمار ومستويات المعيشة الفردية، مضيفة أن الآثار تتجاوز الخسائر المالية البسيطة والاضطرابات السياسية، لتتراجع ثقة السوق، ويصبح أكثر حذراً، وترتفع النفقات التشغيلية المتعلقة بالشحن والتأمين وتأخيرات النقل في ظل حالة عدم اليقين.
وتابعت أنه نظرا لأن سلسلة التوريد تتحدد بالطلب وتوافر المنتجات، فإن الآثار السلبية على الاقتصاد التجاري تكون أشد وطأة في الاقتصادات التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الواردات.
وقالت إن العقبة الأكبر تكمن في أن الحروب تُخلّف آثارًا دائمة على الاستقرار الاقتصادي، إضافةً إلى آثارها المباشرة. فأسعار الغذاء والسلع الأساسية الأخرى ترتفع بالتوازي مع تكاليف النقل والطاقة، مما يُعرّض الأسر لضغوط تضخمية أكبر، ويُصعّب على الحكومات السيطرة على الإنفاق العام والدعم الحكومي، مشيرة إلى أن قطاعات السفر والتجارة والخدمات اللوجستية – الأكثر ضررا مع اى تصعيد.
وأكدت أن اتباع نهج اقتصادي مرن واستباقي ضروري لمعالجة هذه الآثار، بدلًا من الاعتماد فقط على حلول قصيرة الأجل.
موضحة أن تنويع مصادر الاستيراد، وزيادة الخيارات اللوجستية، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية من السلع الأساسية، ودعم القطاعات الأكثر هشاشة، الخطوات الأولى في هذه العملية.
وتابعت أن على الشركات إعادة النظر في خططها التشغيلية من خلال تطبيق خيارات متعددة للموردين ووضع سيناريوهات واضحة لإدارة المخاطر، مشيرة إلى أن التهديد الحقيقى يكمن في غياب التخطيط المناسب لتداعيات النزاع الاقتصادية. فالاقتصادات التي تستجيب للأزمات أكثر عرضة لعدم الاستقرار، بينما تلك التي تستثمر في التخطيط وإدارة المخاطر، فضلاً عن تعزيز سلاسل التوريد الخاصة بها، تكون أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات وتقليل الخسائر.

خروج الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة
أكد دكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والإستراتيجية أن امتداد الحرب و توسع نطاقها سيمثل نقطة تحول خطيرة في المشهد الجيوسياسي والاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط والعالم، موضحا أن شدة التأثير تعتمد على ثلاثة متغيرات رئيسية وهى: (استمرارية العمليات العسكرية ومدتها الزمنية، وسلامة الممرات الاستراتيجية مضيق هرمز، و باب المندب، والبحر الأحمر، والمتغير الثالث هو نطاق الردود الإقليمية وتوسّع مسرح العمليات)،.
وتابع أن المنطقة تعد شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية وأي اضطراب عسكري واسع النطاق ستكون له انعكاسات فورية على أسواق المال والطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
وبالفعل زاد اسعار برميل النفط 2% في صباح اليوم الأول للحرب ليتجاوز 72,5 دولار مع توقع بزيادته مع استمراريه الحرب، مؤكدا أن أول التأثيرات المباشرة ستظهر في سوق النفط العالمي، حيث من المتوقع أن ترتفع الأسعار بصورة حادة نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات. ويمر عبر مضيق هرمز أكثر من 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا وهو ما يجعله أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم. ومع إغلاقه فإن أسعار النفط قد تقفز إلى مستويات قياسية تتجاوز 120 أو حتى 150 دولارًا للبرميل إذا استمرّت الحرب لفتره طويله و اتسع نطاقها.
وتابع أن هذا الارتفاع لن يقتصر تأثيره على الدول المستوردة للطاقة فقط، بل سيمتد إلى زيادة تكلفة الإنتاج عالميًا، وارتفاع معدلات التضخم و موجه من زياده الاسعار عالميا، مشيرا إلى أنه من المتوقع ارتفاع تكاليف التأمين على السفن والشحن البحري في المنطقة، نتيجة تصنيفها كمناطق عالية المخاطر. وسترتفع أقساط التأمين البحري بنسب قد تصل إلى 30% أو 50% في بعض المسارات، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة، خاصة الغذاء والمواد الخام. وستتأثر سلاسل الإمداد العالمية..
وقال إن من التداعيات المباشرة أيضًا تراجع حركة التجارة عبر قناة السويس خاصه مع توجيه ضربات صاروخية ايرانيه علي العديد من دول الخليج العربي والبحر الأحمر مع احتماليه إغلاق مضيق باب المندب من قبل الحوثيين قد يدفع بعض شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها أو تقليص رحلاتها.
وعلى مستوى أسواق المال، من المتوقع خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، أو ما يُعرف بـ”الأموال الساخنة”، من الأسواق الناشئة إلى الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار والسندات الأمريكية. هذا النزوح الاستثماري سيضغط على أسعار الصرف، ويرفع تكلفة الاقتراض، ويزيد أعباء خدمة الدين العام، وهو ما قد يؤدي إلى اتساع عجز الموازنة وارتفاع الدين الخارجي في عدد من دول المنطقة.
وأكد أن استمرار الحرب لفترة ممتدة قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى موجة ركود جديدة، خاصة إذا اقترنت بارتفاع أسعار الطاقة وتشديد الأوضاع المالية. وفي هذه الحالة، ستتراجع معدلات الطلب العالمي على الصادرات،
وأوضح أن التحدي الحقيقي أمام مصر ليس فقط في امتصاص الصدمة قصيرة الأجل، بل في تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة هيكلة أولويات الاقتصاد وتقليل خضوعه للصدمات الخارجية، مشيرا إلى أن إدارة المرحلة الحاليه في مصر تتطلب انضباطًا ماليًا مرنًا، وسياسة نقدية يقظة، وتحركًا دبلوماسيًا نشطا، ورسالة ثقة واضحة للأسواق والمستثمرين.

تحديات غير مسبوقة فى الخليج و3 سيناريوهات للتعامل
قال محمد يوسف الباحث المتخصص فى شؤون دول مجلس التعاون الخليجى، إن مضيق هرمز دخل، في أتون الصراع لا هامشه، وهو الممر الأهم لصادرات النفط والغاز يمكن أن يتحوَّل خلال ساعات إلى نقطة خنق حرجة، وتعطيل لحركة الملاحة، مايرفع علاوات المخاطر، ويقفز بأسعار التأمين، ويدفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة قد تتجاوز المائة وعشرين دولارًا للبرميل في المدى القصير، مع تقلبات عنيفة في الأسعار التي قد تتضاعف ثلاث مرات وفقًا لمسار العمليات!
وأوضح أن مع أولى الضربات؛ بدأت عملية إعادة تسعير شاملة للمخاطر في المنطقة، لافتا إلى أن أسواق الأسهم الخليجية؛ ستواهة ضغوطات بيع واسعة، مدفوعة بقلق المستثمرين الدوليين من اتساع نطاق المواجهة، يتبعه كذلك سعي رؤوس الأموال الأجنبية قصيرة الأجل للخروج أو تخفيض الانكشاف، ما يزيد من التذبذب ويضغط على التقييمات.
وتوقع أن ترتفع عوائد السندات السيادية بسبب ارتفاع علاوة المخاطر, ما يعني زيادة فورية في كلفة التمويل للمشاريع الكبرى؛ وإعادة جدولة بعض برامج الاقتراض أو تأجيلها. وربما ستضع الدول التي بنت احتياطيات سيادية واحتياطيات نقد أجنبي كبيرة في وضع أفضل لقدرة الامتصاص وتثبيت الثقة، بينما الدول ذات الحيز المالي الضيق؛ ستحتاج إلى تحرك أكثر حذرًا وإلى رسائل طمأنة واضحة للأسواق.
التضخم وسلاسل الإمداد
وتابع أن الصدمة الأولى للحرب ستظهر سريعًا في أسعار الطاقة والنقل، ثم سُرعان ما تنتقل إلى الغذاء والسلع الأساسية؛ نتيجة ارتفاع الكُلفة اللوجستية وتعطل أجزاء من سلاسل الإمداد البحرية في الخليج وربما في البحر الأحمر إذا امتد التوتر أو استخدمت إيران ووكلاؤها أوراق الضغط في مناطق أخرى! فضلاً عن ارتفاع أسعار النفط؛ سيغذِّي، لا محالة، الضغوط التضخمية في الاقتصادات المستوردة عالميًا، لكن دول الخليج؛ ستواجه نفسها تضخمًا مستوردًا في الغذاء والمواد الخام والسِّلع المُصنَّعة؛ ما يعني ضغطًا على مستويات المعيشة، خصوصًا للشرائح الأقل دخلاً والعمالة الوافدة.
وأضاف أن مع انتقال المواجهة إلى مستوى الحرب المفتوحة؛ يرتفع احتمال شن هجمات سيبرانية تستهدف الأنظمة المالية وشبكات الكهرباء ومنشآت النفط والغاز، والموانئ، ومشغلي الاتصالات في دول الخليج، سواء من جانب إيران أم من مجموعات حليفة لها أم حتى من أطراف ثالثة تستغل حالة الفوضى.
وأكد أن اندلاع الحرب في هذا التوقيت؛ يفرض على الحكومات الخليجية انتهاج ثلاثة مسارات متزامنة متمثلة فى الإعلان المبكر عن جاهزية الاحتياطيات والسيولة، وخطط واضحة لإدارة الدين العام وتمديد آجاله، ورسائل صريحة بأن برامج الإنفاق الأساسية مستمرة مع إعادة ترتيب الأولويات، كما يتطلب أدوات حماية للفئات الأكثر احتياجًا وتعرُّضًا لارتفاع الأسعار.
وتابع أن المسار الثانى يعتمد على تعميق التنسيق الأمني؛ لحماية الممرات البحرية والمنشآت الحساسة، وإلى آليات تعاون استخباري ومالي ترصد حركة الأموال والأنشطة المهدِّدة للأمن، وحماية الأنظمة المصرفية، في الوقت نفسه، مشيرا إلى أن المسار الثالث، يخص القطاع الخاص، الذي أصبح مُطالبًا الآن قبل أي وقت آخر، بمراجعة سريعة لخرائط مخاطرها، وتنويع الأسواق والموردين، وتحصين سلاسل الإمداد، والتأكد من شمول وثائق التأمين لمخاطر الحرب والاضطرابات الكبرى. من المهم أيضًا تعزيز الخطط التشغيلية لاستمرارية الأعمال، بما في ذلك خطط العمل عن بُعد، والنسخ الاحتياطية للبيانات، والترتيبات البديلة للخدمات اللوجستية.

الذهب هو الملك والاحتفاظ بالكاش ضرورة
أوضح دكتور باسم حشاد، الخبير الاقتصادي والمستشار الدولى بالأمم المتحدة، أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران لها تداعيات قصيرة وطويلة المدى على المنطقة، مشيرا إلى أن إيران تستخدم مضيق هيرمز فى الصراع مما يعنى اختناق شريان الطاقة العالمى، خاصة وأن ٢٠% من النفط العالمى يمر من خلاله، ولا توجد بدائل لتعويض التعطل، مما يعنى توقف الشحنات وتعطل الامدادات.
وتابع أن هذا التعطل يؤثر سلبا على حركة التجارة والامدادات ، وستتأثر حركة التجارة العالمية وترتفع تكاليف النقل، ومن المنطقى أن تشهد ركودا للاقتصاد العالمى نتيجة تراجع الطلب وتعطل سلاسل الامداد، مشيرا أن مستويات التضخم ستشهد مستويات عالية، مضيفا أن الظروف المحيطة ستؤثر بشكل قاطع على جاذبية الاستثمار فى المنطقة وتخلف ورائها حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين ، الأمر الذى يدفع الجميع نحو الملاذات الآمنة فى شكل الادخار والاستثمار فى الذهب والمعادن.
وأوضح أن من المحتمل مع وجود ضغوط شرائية على الذهب ، ربنا تحدث أزمة سيولة وبالتالى ننصح الأفراد والمؤسسات بضرورة الاحتفاظ بالكاش أو الأصول النقدية والقابلة التسييل، مضيفا أن من يمتلك احتياطات من الذهب كافية يضمن استقرار أوضاعه.
وعن التحديات التى تواجه مصر فى ظل هذا الصراع، أشار إلى أن من الطبيعى أن تتأثر إيرادات قناه السويس وتتراجع، ولكن فى المقابل اقتصاد مصر يتميز بالمرونة واستيعاب الصدمات، والتعامل من منطلق توازن القوى والفرص،مشيرا إلى أن علاقات مصر الدبلوماسية والسياسية متوازنة ومركز اتزان إقليمى، ومن ناحية أخرى تمتلك قوة كامنة.
وأضاف أن ما تمتلكه مصر حاليا من بنية تحتية قوية ومتسعة تساهم فى استيعاب اى متغيرات تطرأ فى المنطقة، بجانب جهودها الدبلوماسية والسياسية فى تهدئة الأوضاع، مؤكدا على ضرورة العمل على تعزيز الانتاج الزراعى وتلبية الاحتياجات المحلية، مع اتباع سياسات مالية ونقدية مرنة.









