انطلاقًا من ردود الأفعال الطيبة التي وصلتني عبر صفحات التواصل الاجتماعي حول مقالي السابق «ارحموا كبار السن من السيستم»، أصبح واضحًا أن معاناة كبار السن داخل البنوك ليست واقعة فردية، بل أزمة متكررة تمس شريحة واسعة من المجتمع وتحتاج إلى حلول عملية تحفظ الكرامة وتخفف المشقة عن آبائنا وأمهاتنا.
ومن واقع ما وردني من قيادات مصرفية حالية و سابقة، برزت مجموعة من المقترحات القابلة للتنفيذ تعكس خبرة مهنية ورؤية إنسانية في آن واحد.
بمقدمة الحلول المطروحة، برز مقترح تخصيص “شباك تعامل” لكبار السن داخل الفروع الأكثر ترددًا عليهم، مع منحهم أولوية عبر نظام الأرقام الآلية بحيث تُحجز الأرقام الأولى يوميًا لمن تجاوزوا 60 عامًا وفق الرقم القومي، مع زيادة هذه الحصة في أوقات الذروة خاصة أيام صرف المعاشات والمرتبات.
كما تُطبق الأولوية على مختلف الخدمات من تحديث البيانات إلى السحب والصرف، بما يضمن إنهاء المعاملات سريعًا دون طوابير مرهقة.
وتضمنت المقترحات منح موظفي خدمة العملاء صلاحيات فورية للتدخل وحل مشكلات كبار السن دون إجراءات مطولة، إلى جانب الدفع بالفروع المتنقلة عند الازدحام، ودراسة ابتكار بطاقات مصرفية مخصصة لهم تعمل على ماكينات الصراف بواجهة مبسطة أو أولوية استخدام. وهي خطوات تنظيمية وتكنولوجية بسيطة، لكنها قادرة على تحويل تجربة كبار السن داخل البنوك إلى تجربة أكثر إنسانية وسلاسة.
ولا تقتصر أهمية هذه المقترحات على بعدها الإنساني فقط، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية واضحة للبنوك الوطنية، وفي مقدمتها البنك الأهلي المصري وبنك مصر، حيث تضم هذه المؤسسات أكبر قاعدة عملاء في السوق المصرفية المصرية. فبحسب تقديرات ، فتمثل الفئة العمرية فوق 60 عامًا نحو 7 إلي 8% من السكان، أي ما يقارب من 9 ملايين مواطن.
هذه الشريحة تمثل قوة ادخارية مؤثرة؛ إذ تشير تقديرات مصرفية إلى أن ودائع كبار السن .. بما فيها مكافآت نهاية الخدمة والشهادات الادخارية .. قد تتجاوز تريليوني جنيه مصري، نظرًا لاعتماد قطاع واسع منهم على العائد البنكي كمصدر دخل ثابت يعوض الفجوة بين المعاش والراتب السابق.
ورغم أن بعض القيادات المصرفية قد لا تلمس حجم المعاناة اليومية لكبار السن، بحكم انتقالها بعد المعاش إلى فئة كبار العملاء التي تحظى بخدمات مميزة بعيدًا عن الزحام، فإن الحفاظ على هذه القاعدة العريضة من العملاء وودائعهم الضخمة يظل استثمارًا طويل الأجل في الثقة والسمعة. فالتجربة الإنسانية الجيدة داخل الفرع قد تكون أبلغ أثرًا من حملات إعلانية بملايين الجنيهات، لأنها تترجم احترام البنوك لشريحة عمرية أفنت سنوات عمرها في خدمة الوطن.
إن بناء «سيستم» مصرفي أكثر إنسانية لكبار السن ليس رفاهية تنظيمية، بل ضرورة أخلاقية واقتصادية، ورسالة تقدير مستحقة لجيل يستحق أن تُنجز معاملاته بكرامة وهدوء، لا أن يخوض معركة يومية مع الأرقام والشاشات والطوابير.









