«يا فندم تنفيذ معاملتك يستغرق من ساعتين إلى ثلاث ساعات حتى يأتي دورك» جملة باردة، قاسية، قيلت لرجل بلغ من عمره 80 عامًا، جاء إلى البنك فقط ليُحدِّث بياناته وفق رسالة وصلت له على محموله، إضافة للاطلاع على كشف حسابه.
رد العجوز بهدوء: «يا ابني، دي معاملة مش هتاخد 10 دقايق».. لكن الرد كان حاسما و جفافًا: «ده السيستيم».
استسلم الرجل، وتوجه إلى صالة الانتظار. المفاجأة أنه لا توجد أماكن للجلوس. الصالة مكتظة، والناس واقفة في مشهد يُذكِّر بزحام الأتوبيسات في أفلام القرن الماضي.
بعد دقائق، تبرع أحد الجالسين بمقعده احترامًا لكِبَر سنه، لكن العجوز لم يحتمل طويلًا، فنهض مجددًا وقد بدا عليه الضجر.
في الطابق العلوي، كان مدير الفرع جالسًا في مكتبه الأنيق، يراقب الزحام عبر كاميرات المراقبة بهدوء، دون أي تدخل أو مبادرة. وعندما طُرح عليه اقتراح تخصيص موظف واحد لخدمة كبار السن رحمة بأعمارهم، خاصة مع وجود أكثر من عميل كبير بالسن، رد قائلاً: «هذا سيستيم البنك، ولا يمكنني تفضيل أحد على آخر. من لا يريد الانتظار فعليه العودة وحجز دور إلكتروني ، فعدم تمكن كبار السن من التعامل مع التكنولوجيا الحديثة ليس مشكلتي».
هذه القصة ليست حالة فردية، بل نموذج يتكرر يوميًا في أحد فروع أكبر البنوك العاملة في مصر بمدينة السادس من أكتوبر، بنك تملأ إعلاناته الشوارع والفضائيات، ويمتلك مئات من الوحدات المصرفية الثابتة والإلكترونية، إلى جانب عشرات الوحدات المتنقلة.
الإشكالية الحقيقية ليست في الموظف ولا في الزحام وحده، بل في سيستيم فاشل يُصر على التعامل مع رجل في الثمانين بنفس الآلية التي بها مع شاب من جيل «زد»، وكأن العمر والخبرة والظروف الصحية تفاصيل لا تستحق الاعتبار.
كما أن بعض قيادات الفروع بحاجة إلى إعادة تأهيل وتدريب على مفاهيم الإدارة الإنسانية، فوجود مدير يراقب الزحام من أعلى، دون أن ينزل للصالة ليُخفف الضغط أو يتدخل بحل عملي، لا يضيف قيمة حقيقية للخدمة المصرفية ولا يحافظ على ولاء العملاء.
أما إدارات خدمة العملاء، فهي مطالَبة بمنظومة أكثر ذكاءً، قادرة على تحليل كثافات المترددين، وتفعيل الوحدات المصرفية المتنقلة في أوقات الذروة، بدل الاكتفاء بطمأنة الشاكين بأن «الشكوى قيد الدراسة» والرد بعد أيام.
وأخيرًا.. كبار السن لا يطلبون امتيازات، بل كرامة .. لا يطلبون تجاوز الدور، بل رحمة في التطبيق. والسيستيم الذي لا يفرّق بين شاب في العشرين ورجل في الثمانين… سيستيم يحتاج إلى إعادة نظر.









