أثناء حوار عن المستقبل مع بعض الأصحاب، قال أحدهم المتميز بالحكمة الساخرة أنا متفائل بالمستقبل لكن المشكلة الكبرى هي أنه عندما يأتي سيكون لدينا كثرة من منتظريه نياما وسوف يمر بهم دون أن يشعروا به.
وبقدر ماكانت العبارة ساخرة مجازاً إلا أنها مرعبة، لأنها حدثت من قبل بالفعل. في الماضي عندما كانت أوروبا مستغرقة في نومها في عصورها الوسطى المظلمة كنا في أوج اليقظة الحضارية، لكن في العصور الحديثة جربنا ان يمر المستقبل أمامنا ونحن في نوم عميق لم نستفق منه إلا أوقاتاً قصيرة من عمر الزمن ثم نخلد ثانية إلى النوم الذي ما أطال عمراً ولا صح به الجسم العليل.
ومن هنا استوقفتني العبارة الحكيمة الساخرة للتأمل كثيراً – تجيد الفلسفة التعامل مع ما يبدو معتاداً لتعبر عنه بطريقة مبتكرة ومثيرة للسؤال والقلق في آن. ويحتاج الأمر إلى ممارسة ما يعرف بالتمارين العقلية.
على سبيل المثال، أنت تحتاج إلى القيام بفعل في المستقبل لتغير حياتك إلى الأفضل ثم تنام لتستيقظ على صوت آخر يخبرك أنه جرب القيام في الماضي بفعل ما استطاع أن يغير حياته فهل تفضل بأن تكون أنت مكان هذا الآخر في زمنه وبما صنعه في الماضي ليجعل حياته أفضل أم تقوم بمغامرة فعلك في المستقبل.
مازال لدينا كثرة نائمون يحلمون بفعل الآخرين في الماضي، هذا الفعل جعلهم الأفضل بالنسبة لعصرهم. والسؤال لماذا نستمتع بأحوال أسلافنا في الماضي ولا نعرف على وجه الدقة ماذا كانت ظروفهم؟ ما الذي واجهوه وتعاملوا معه في الماضي.
لماذا نفضل رؤية الأمس على الغد؟ لماذا لا نتحيز لمواجهة المستقبل بكل تحدياته فنكون يقظين للتعامل معه بديلاً عن أحلام النوم العميق في انتظار الحل.
إن عبارة مثل “مات قبل أوانه” تظل هي الأكثر ترديداً بين الناس من عبارة مثل “ولد بعد فوات الأوان” وهي عبارة توجز غرابة حسرتنا على سلفنا الصالح الذي لم يستمر حتى الآن، بينما لا نلتفت إلى أن ميلادنا نحن جاء بعد فوات أوان المستقبل الذي سوف يمر علينا ولن نعايشه! أو تظل المعضلة المثيرة للسؤال والعجب، ما الذي يعنينا إذا لم موجودين في عصرهم، لماذا كل هذا الاهتمام بزمن يقظة لم نوجد فيه هل يستدعي نوم الحاضر يقظة الماضي للعيش في المستقبل؟ أمر آخر، المنتظرون عرفوا أو المفترض أنهم عرفوا ان الماضي لن يتغير في المستقبل لأنه قد مضى وانتهى أمره، لكن المستقبل مفتوح على مصراعية بكل الاحتمالات، لذلك يجب التيقظ لنعرف طبيعة تلك الاحتمالات الواردة.
عندما ننام لا ننتظر شيئاً، وعندما نصحو يصبح النوم ماضياً، ويظل الانتظار مرادفاً للمستقبل أو اليقظة لا الماضي أو النوم.
وقد عبر المبدع سيد حجاب: بروعة عندما قال: وإزاي ننام من غير ما نحلم ببكره، وبكره ده منين يجي إلا بإدينا.









