مع كل تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإيران، لا تبقى نيران الحرب حبيسة حدود الجغرافيا. فالعالم بات قرية اقتصادية واحدة، وأي شرارة في الخليج قد تتحول إلى موجة تضخم تعبر البحار وتصل إلى جيب المواطن المصري. الصواريخ قد تُطلق هناك، لكن فواتيرها تُراجع هنا، في الأسواق ومحطات الوقود ودفاتر الموازنة.
أول ما يتأثر هو سوق الطاقة. فمجرد التلويح بتهديد الملاحة في مضيق هرمز كفيل بدفع أسعار النفط عالميًا إلى الصعود. ومصر، رغم إنجازاتها في قطاع الغاز الطبيعي وتوسيع بنيتها التحتية للطاقة، تظل جزءًا من سوق عالمي يتأثر بالعرض والطلب. ارتفاع سعر البرميل يعني زيادة تكلفة النقل والإنتاج، وضغوطًا إضافية على الموازنة العامة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على مستويات الأسعار.
ثم يأتي الدولار، ذلك اللاعب الصامت في كل معركة دولية. فعند اشتداد الأزمات، يتجه المستثمرون إلى العملة الأمريكية باعتبارها ملاذًا آمنًا، فيرتفع سعرها عالميًا، وتتعرض عملات الأسواق الناشئة لضغوط متزايدة. ومع كل ارتفاع في الدولار، تزيد تكلفة الاستيراد، وترتفع أسعار السلع المرتبطة بالخارج، ما يضيف تحديًا جديدًا أمام جهود الاستقرار الاقتصادي.
ولا يقل قطاع الغذاء حساسية عن الطاقة. أي اضطراب في سلاسل الإمداد أو تكاليف الشحن البحري ينعكس على أسعار الحبوب والزيوت والسلع الاستراتيجية. وفي عالم لم يتعافَ بعد من آثار أزمات سابقة، تصبح أي حرب جديدة عبئًا إضافيًا على الدول المستوردة، ما يفرض ضرورة تعزيز المخزون الاستراتيجي وتنويع مصادر الاستيراد.
أما السياحة والاستثمار، فهما أكثر القطاعات تأثرًا بحالة القلق الإقليمي. فالمستثمر يبحث عن الاستقرار، والسائح يبحث عن الطمأنينة. وكلما ارتفعت حدة التوتر في الشرق الأوسط، زادت حسابات المخاطر، ولو لم تكن مصر طرفًا مباشرًا في الصراع. ومن هنا تتجلى أهمية الاستقرار الداخلي، وتعزيز صورة الدولة كواحة أمن وأمان في محيط مضطرب.
ومع ذلك، فإن مصر اليوم أكثر استعدادًا للتعامل مع الصدمات مقارنة بسنوات سابقة. فهناك توجه واضح نحو تنويع مصادر الطاقة، وزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي، وتعزيز الاحتياطيات من السلع الأساسية، إلى جانب سياسات مالية تستهدف احتواء التضخم وحماية الفئات الأكثر احتياجًا.
إن أي مواجهة عسكرية بين قوى كبرى لا تبقى عسكرية فقط، بل تتحول سريعًا إلى معركة اقتصادية عالمية. والشعب المصري، كغيره من شعوب المنطقة، يدرك أن الاستقرار ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية. من هنا يصبح الرهان الحقيقي على قوة الدولة في إدارة الأزمات، وعلى وعي المجتمع في مواجهة التحديات.
ويبقى الأمل أن تسود لغة العقل، وأن يدرك العالم أن كلفة الحرب لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بحجم المعاناة التي تصيب الشعوب. ومصر، بتاريخها وموقعها وثقلها، ستظل حريصة على أمنها القومي، وعلى حماية مواطنيها من ارتدادات صراع لا مصلحة لهم فيه.
حفظ الله مصر قيادةً وشعباً









