ونحن فى هذه الأيام المباركة.. شهر الصوم والطاعة والعبادة والرحمة والمغفرة.. شهر روحانيات وتقرب إلى الله.. نتسابق فى فعل الخيرات والطاعات.. والذهاب والإياب إلى المساجد وصلاة التراويح وقيام الليل.. والإسراع فى أداء عمرة رمضان.. وكل هذه المناسك شيء طيب ومحمود ومطلوب.. لكن يبقى صميم الدين فى المعاملة والسلوك فلا أريد أن أسمعك ولكن دعنى أري.. دعنى أشعر بإيمانك من عملك وتعاملك مع الآخر.. وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ينصح الولاة قبل إرسالهم إلى الولايات بقوله «ادعوا إلى الله وأنتم صامتون» فتعجب بعضهم من ذلك.. فبادرهم: اجعلوا أعمالكم تسبق أقوالكم اجعل الناس ترى عدلك وعملك قبل خطبك.
>>>
ولأن «الدين المعاملة».. فلا تستقيم الأمور أبداً… إلا والعمل يطابق القول.. والسلوك يطابق المناسك.. فالتناقض الغريب الذى يسود تعامل الكثيرين ليس من الدين فى شيء.. فكيف يغش من يركع ويسجد.. وكيف يحتكر سلعة من يصوم ويصلى وكيف يعطل مصالح البشر.. من يذهب ليعتمر.. وكيف يتربح على حساب البسطاء من يسابق الريح لأداء فريضة الحج.
>>>
.. ومن رحمة الله بعباده.. أن يبسط يديه بالليل ليتوب مسيء النهار.. ويبسط يديه بالنهار ليتوب مسيء الليل.. ومن الجمعة إلى الجمعة تكفر ما بينهما ومن رمضان إلى رمضان يكفر ما بينهما.. ومن رحمة الله بعباده أن جعل 5 صلوات فى اليوم والليلة لتذكر الإنسان بالعودة إلى الطاعة والتوبة.. والعدول عن أى سلوك غير سوى يرتكبه الإنسان.. وينبغى على الإنسان أن يقف مع نفسه لحظة صدق.. يعود فيها إلى الله.. فأنت أيها الموظف الذى يملك بين يديه قضاء مصالح الناس.. تذكر دوماً أن الذى يقف أمامك هو والدك أو أخوك.. وأن السيدة التى تنتظر دورها.. هى أمك أو أختك.. وأن الشاب الذى تتحكم فى مصيره هو ابنك.. وأنت أيها التاجر.. كيف تستقيم الصلاة والسجود والركوع مع الغش والتربح.. والاحتكار.. والمتاجرة بحاجة الآخرين واستغلال الأزمات دون مراعاة الإنسانية أو ظروف قهرية.
>>>
فى هذا الصدد أجرى معهد جالوب الأمريكى المتخصص فى استطلاعات الرأى وقياس الرأى العام.. بحثاً ميدانياً.. أو استطلاعاً للرأى فى 150 دولة من مختلف قارات العالم وكان السؤال واحداً.. للملايين من شعوب العالم فى المائة وخمسين دولة: ماذا يمثل الدين بالنسبة لك؟.. واختلفت الإجابات من بلد لآخر فهناك من قال.. العمل.. ثم الدين.. وهناك من قال العلم.. والعمل.. ثم الدين فى المرتبة الثالثة.. لكن جاءت مصر فى المرتبة الأولى بمسلميها ومسيحييها كان الدين أهم شيء وقبل العلم والعمل.. لكن أظهر البحث هذا التناقض الكبير إذ كيف لا تكون الدولة الأولى فى الدين.. ليست الأولى فى الشفافية والأمانة والعلم والتقدم.. وكيف تكون الدولة الأولى فى التدين وأيضاً الأولى فى أشياء كثيرة لا تستقيم أبداً مع هذا التدين.
>>>
إننا فى حاجة ماسة إلى وقفة مع النفس.. لنعود فيها إلى الله إلى الأمانة والإخلاص والالتزام.. والعلم والعمل.
إننا فى حاجة إلى إدراك أن الدين ليس ركوعاً وسجوداً وصوماً ولحية وجلباباً مع غش وعدم أمانة.. وعدم إخلاص.. واستحلال مال الغير.. والرشوة والكذب والكسب غير المشروع.. والظلم والفساد.
.. الدين المعاملة.. وإذا لم يكن هذا التدين فى حسن معاملة الآخرين.. وإذا لم يكن الإحسان إلى الآخر عنواناً لهذا التدين.. فليس ذلك تديناً على الإطلاق.
>>>
ولأن الدين المعاملة.. انظر إلى الحديث الشريف.. ليس بمؤمن من لم يأمنه جاره.. والحديث الشريف.. مازال جبريل يوصينى بالجار.. حتى ظننت أنه سيورثه.. وتمعنوا فى مقياس الإيمان الدقيق.. «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».. وأنت الوحيد الذى تعرف درجة إيمانك.. مهما ركعت وسجدت وصمت وحججت..مقياس دقيق للإيمان.. لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.. إنه الإيمان الحقيقى والصفاء والنقاء دون كلام أو ضجيج.. أنت الآن تعرف جيداً درجة إيمانك.. إنه دين الحق والمساواة.. والعدل.. والإنصاف وحب الآخر.. لا فرق بين عربى ولا أعجمي.. ولا أسود ولا أبيض إلا بالتقوى وحسن الخلق.. أتدرون من أقرب الناس إلى الله يوم القيامة ليس بالمال ولا الجاه ولا السلطان.. وإنما أحاسنكم خلقاً.. يا عظمة الإسلام.. دين الحياة والآخرة.









