فى توقيت شديد الحساسية تمر به المنطقة العربية والقارة الأفريقية، شهد يوم الخميس الماضى استقبال الرئيس عبدالفتاح السيسى لرئيس مجلس الوزراء السودانى كامل إدريس ليحمل رسائل سياسية وإستراتيجية تتجاوز بروتوكولات اللقاءات الثنائية المعتادة. هذا اللقاء ليس مجرد اجتماع بين جارين تربطهما أواصر التاريخ والجغرافيا، بل هو تحرك إستراتيجى فى لحظة فارقة تستوجب تنسيقاً رفيع المستوى لحماية الأمن القومى للبلدين، اللذين يمثلان معاً وحدة جيوسياسية لا تقبل التجزئة.
تأتى هذه الزيارة والسودان يواجه تحديات وجودية تهدد مؤسسات الدولة ووحدة أراضيه، وفى ظل تعقيدات ملفات إقليمية كبرى وعلى رأسها ملف السد الإثيوبى والأمن فى البحر الأحمر.
وتعكس الزيارة إدراكا مصريا عميقا بأن استقرار السودان هو امتداد مباشر للأمن القومى المصري. أى اضطراب فى الخرطوم يتردد صداه فورا فى القاهرة، سواء على الصعيد الأمنى الاقتصادى أو الإنسانى «ملف اللاجئين والنازحين».
كما تؤكد الزيارة أن مصر تظل الرقم الصعب واللاعب الأساسى فى معادلة الحل السوداني، بعيداً عن التدخلات الخارجية التى قد تغذى الصراع بدلاً من إخماده. وتعكس أولويات الدولة المصرية فى تعاملها مع الملف السودانى عدة محاور. وهى دعم مؤسسات الدولة والشرعية وترتكز السياسة الخارجية المصرية تجاه السودان على مبدأ ثابت هو الحفاظ على كيان الدولة الوطنية.. استقبال رئيس الوزراء السودانى هو اعتراف ودعم صريح لمؤسسات الدولة السودانية فى مواجهة محاولات التفتيت. ومصر تسعى من خلال هذا الدعم إلى منع انزلاق السودان نحو سيناريوهات الفوضى الشاملة، مؤكدة أن الحل يجب أن يكون «سودانياً- سودانياً» وبتوافق وطنى يحمى مقدرات الشعب. ولا يمكن فصل أى لقاء رفيع المستوى بين القاهرة والخرطوم عن قضية الوجود الأولى نهر النيل. والتنسيق المشترك بين البلدين «دولتى المصب» يمثل حجر الزاوية فى التفاوض مع الجانب الإثيوبي.. وهذا اللقاء الأخير يجدد التأكيد على «الخطوط الحمراء» المتعلقة بالأمن المائي، ويضمن توحيد الرؤى الفنية والسياسية فى المحافل الدولية، مما يقوى الموقف التفاوضى للبلدين للوصول إلى اتفاق قانونى ملزم بشأن ملء وتشغيل السد.
ويمثل السودان عمقا إستراتيجيا حيوياً لمصر وقناة السويس. كما أن التنسيق الأمنى والعسكرى الذى يتم تناوله فى مثل هذه اللقاءات يهدف إلى تأمين الملاحة الدولية ومنع تحول المنطقة إلى ساحة للصراعات الدولية أو مأوى للجماعات المتطرفة.
ورغم طغيان الجانب السياسى والأمني، إلا أن البعدين الاقتصادى والإنسانى كانا حاضرين بقوة، حيث تولى مصر أهمية كبرى لمشاريع البنية التحتية المشتركة، مثل مشروع الربط الكهربائى الذى يهدف لمد السودان باحتياجاته من الطاقة، مما يساهم فى دفع عجلة التنمية المتعثرة هناك.
واستقبلت مصر مئات الآلاف من الأشقاء السودانيين منذ اندلاع الأزمة الأخيرة. وهذا اللقاء يبحث سبل تخفيف المعاناة الإنسانية، والتنسيق لتسهيل المساعدات الإغاثية، وهو دور تمارسه مصر بمسئولية أخلاقية وتاريخية. هذا اللقاء بعث برسالة طمأنة بأن مصر تقف بظهيرها السياسى والدبلوماسى والإنسانى مع خيارات الشعب السوداني، وأنها لن تتخلى عن «وحدة وسلامة السودان». وهناك رسالة مفادها أن مصر تمتلك مفاتيح الحل والتهدئة فى المنطقة، وأن أى تسوية سياسية فى السودان لا يمكن أن تنجح دون التنسيق مع القاهرة. بل إن هناك تحذيرا ضمنيا من أن العبث بأمن السودان هو مساس مباشر بالأمن القومى المصري، وأن القاهرة لن تسمح بوجود فراغ سياسى يستغله المتربصون.
إن استقبال الرئيس السيسى لرئيس الوزراء السودانى يتجاوز حدود «الأزمة» ليرسم ملامح «رؤية مستقبلية». مصر لا تتعامل مع السودان كملف أزمة عابر، بل كشراكة مصيرية عابرة للأجيال.









