> فى أجواء مابعد حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة والتى توقفت بعد قمة شرم الشيخ وبعد عامين من الذبح والدم وهدم قرابة الـ 90 فى المائة من قطاع غزة ..ظهر التطرف والغلو الدينى التكفيرى داخل غزة وفلسطين محميا بإسرائيل بالأساس «جماعة أبو شباب مثالا» وخارجها.. وجاء هذا الغلو ليكمل حرب الإبادة الإسرائيلية وكأنهما وجهان لعملة واحدة : الاحتلال الإسرائيلى والتكفير!
> فى ظل هذه الاجواء ينبغى أن نؤكد وبوجه عام فى تراثنا الإسلامى كله أن ثمة أشكالاً أخرى أكثر جمالاً وعدلاً وروحانية يعرفها ويُقرّها الإسلام المُحمّدى الأصيل، ومنها على سبيل المثال التصوّف بكل علومه ومُفرداته ودعوته الوسطية الإسلامية المعتدلة التى تقاوم- من حيث لم ترد- ذلك الفكر التكفيرى الشاذ المُسيء للإسلام، وانظر حولك لتجد الأدلّة واضحة وضوح الشمس، فى مواجهة هذه الهجمة، وهذا الفكر التكفيري، يأتى دور الدعوة الصوفية القائمة على التسامُح والتراحُم وحب الخير والبناء وعمران الأرض والناس، بل والجهاد فى سبيل الله حق الجهاد، إن الصوفية إذا ما فُهِمَت فَهْماً صحيحاً تستطيع أن تقدّم علاجاً لآفة التكفير والغلوّ، وتستطيع إن أُحسِن التعاون معها بعد تنقيتها من شوائب السياسة والتخلّف المعرفي، أن تصير هى الأداة الأكثر نجاحاً فى مواجهة جيوش التتار من التكفيريين غليظى الفهم والرؤية وإسرائيلى الهوى والقلب! الذين لا يحملون بين أضلعهم إلا كل خراب ودمار للمجتمع.
>>>
> إن خلاصة ما استقرّت عليه الدراسات المتّصلة بالحركات الصوفية سواء فى العالم الإسلامى أو فى مصر «التى بها وحدها 65 طريقة صوفية وحوالى 15 مليون عضو أو مُريد وفقاً لأدبيات الصوفية» أن لها أدواراً مهمة كبرى إن تمّت الاستفادة منها تحقّق الانتصار الفعلى على دُعاة الغلوّ، وفقه الغَلَظة والتكفير، فى فلسطين وخارحها.. من هذه الأدوار والأهداف فى ذات الوقت نذكر وبإيجاز ما يلي:
> تربية الفرد المسلم: أساليب التصوّف الإسلامى تقوم على تربية المريدين على التوبة، والمجاهَدة، والزهد، والمحبة، والخشية، والورَع، وقطع الهوي، وكل ما يدخل تحت المقامات، فالمقامات أساليب تربوية.
تربية تجعل الإنسان إيجابياً، يعيش فى حركة بنّاء.
– تربية تؤهّل الإنسان للعطاء، وتنمّى فيه القدرة على مواجهة الصعاب.
– تربية تُعدّ الإنسان إعداداً ناضجاً لممارسة الحياة بالطريقة التى يرسمها ويُخطّط أبعادها الإسلام.
– تربية تجعل الشخصية الإسلامية شخصية مُتّزِنة، ولا يطغى على موقفها الانفعال، ولا يسيطر عليها التفكير المادي، ولا الانحراف الفكرى المُتأتّى من سيولة العقل.
– تربية تبنى الإنسان على أساس وحدة فكرية، وسلوكية وعاطفية متماسكة على أساس من التناسق.
– تربية تجعل الإنسان يشعر دوماً أنه مسئول عن الإصلاح وفعل الخير.
>>>
> إن هذه الأساليب تؤكّد لنا أن التصوّف هو جزء جوهرى من الدين الإسلامي.
وإذا كان هناك من تشابُه بين الصوفية وما يماثلها من البيئات الأخري، فتفسير هذا طبيعى لا يحتاج إلى افتراض الاستعارة، ذلك أنه ما دامت الحقيقة واحدة فإن كل العقائد السماوية تتّحد فى جوهرها، وإن اختلفت فيما تلبسه من صوَر.
>>>
> علاج التطرّف فى المجتمع: التصوّف الإسلامى يخاطب وجدان البشر ويهتم بتهذيب سلوكهم، وترقيق مشاعرهم وترقية أرواحهم. ولاشك فى أن النزعة الوجدانية قوّة أصيلة، وركيزة هامة فى بناء شخصية الإنسان ولا تقبل الشخصية الإنسانية قمع هذه النزعة، وإهدارها باسم العقل، أو باسم غيره من قوى الشخصية.
إن المجتمع المسلم فى أمسِّ الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ «النموذج الصوفي»، لأن كل شيء من حولنا يهتزّ ويخور، والقِيَم الأخلاقية آخذة فى الاضمحلال، والشباب حينما يفقد القدوة يندفع تحت تأثير الإحباط نحو التسيّب والجريمة أو التشدّد والتعصّب الديني، وهو عين ما جرى فى سوريا والعراق ومصر وغيرها من البلاد التى ابتُلِيت بداعش والقاعدة والإخوان ومَن شابههم من جماعات الإرهاب والفهم الغليظ للدين !.
ومن ناحية أخرى فإن الطريق إلى الله تعالى يسع المسلمين جميعاً، وليس قاصراً على أتباع التصوّف، لأن الإسلام رسالة تكليفية ابتداء من قول: لا إله إلا الله محمّد رسول الله، حثّ على إماطة الأذى عن الطريق، لذلك فلا يمكن أن يقوم الصوفية وحدهم بحل مشاكل الأمّة، وفى نفس الوقت لا يمكن الحل من دونهم.
>>>
> توحيد كلمة الأمّة: تتميَّز الصوفية بميزة لا توجد فى مَن سواهم وهى وحدة الصف، والتى تُعدّ من أكبر عوامل الأمن والاستقرار فى المجتمعات، ففى الوقت الذى تتحزَّب فيه الحركات العاملة فى الجو الإسلامى وتنقسم على أنفسها، نجد الصوفية مُتّحدين فى ما بينهم رغم تعدّد الطرق، وإن كلاً اختار سبيلاً يراه أسهل فى الوصول إلى الغاية، أو يراه أليق بحاله مع احترامه للجميع، كاختلاف المدرّسين فى مدرسة واحدة فى تدريس مُقرّر واحد، فلكل طريقته فى التعليم، والكتاب واحد، ولذلك اتفق الصوفية على مقولة: «اعرف شيخك، وَحِبّ الكل».
وأتباع الصوفية يطبّقون مفهوم الوحدة الإسلامية، وتوحيد الكلمة خاصة بين أهل السنّة والشيعة إلى حد أنه يطلقون عليهم «أنهم شيعة السنّة وسنة الشيعة» لما يقدّمونه من تأليف للقلوب وللقِيَم على أسُس إسلامية توحيدية ،هدفها وحدة الأمّة، كما قرأت وسمعت من شيوخ وقيادات الطرق الصوفية فى بلادنا خلال ربع القرن الماضي.
>>>
> من هذا المنطلق فإن التصوّف كالحياة تماماً مدرسة مفتوحة على مصراعيها تختصّ فى توطين المُنتسبين إليها على الصدق والإخلاص، والاستغراق فى التوحيد الخالص المُعبَّر عنه بلسان الصوفية، والحرص الشديد على هداية الناس، والأخذ بأيديهم إلى رحاب التقوى والعمل الصالح الذى يرضى عنه الله ورسوله. ترى أين من هذا الفهم السمح للدين؛ تلك الجماعات التكفيرية غليظة الفهم الدينى والتى تُعدّ كل من خارجها مُرتدّاً او كافرا ويستحق القتل وسفك دمه. أحسب أننا اليوم وبعد حرب الإبادة فى غزة والظهور الجديد لجماعات الغلظة والتكفير فى الامة فى أمسّ الحاجة لأن نقتدى بالإسلام الوَسطى الموحِّد للأمّة، والجامِع للكلمة لا المُفرِّق لها، أو هادِر الدم فيها، والداعى أيضا للجهاد الحق لتحرير الاقصى «لا أن ننساها كما تريد جماعات التكفير التى تخدم إسرائيل بالأساس ولا تبغى غير الحكم بأى ثمن!» وفى هذا السياق، يأتى التصوّف بقِيَمه وطرقه ومريديه فى بلادنا، بمثابة النموذج الذى يستحق الاهتمام به ورعايته كأحد أبرز الأسلحة الإسلامية الناعمة – إن جاز الوصف – فى مواجهة التكفيرين ودعوتهم الشاذّة، الغليظة لفهم الإسلام ! ينبغى العمل على حماية وإبراز هذا النموذج الإسلامى المعتدل، إن تعذّر الاقتداء به والسير فى طريقه. والله أعلم.









