في قلب القاهرة، بيت العرب الكبير، التقينا الكاتب والأكاديمي الفلسطيني البارز الدكتور محمد البوجي، لنحتفي معه بإنجازه الثقافي الضخم؛ «موسوعة التجربة الأدبية في فلسطين». الموسوعة التي جاءت في خمسة أجزاء، تعد أرشيفاً حياً للثقافة الفلسطينية منذ نكبة عام 1948 وحتى يومنا هذا.
من رحم الحصار: كيف ولدت الموسوعة؟
بدأ الدكتور البوجي حديثه بالإشارة إلى أن هذا العمل استغرق أكثر من خمسة عشر عاماً من البحث والتدقيق. وعن دافعه وراء هذا الجهد وهو يقيم في قطاع غزة المحاصر، قال: “كنت أستشعر أن المنطقة مقبلة على تحولات كبرى واعتداءات عسكرية قد تطال دولاً عربية أخرى، فأردت نقل التجربة الفلسطينية للعالم؛ ليعرف الجميع كيف صمدنا وكتبنا أرقى الآداب رغم الاحتلال والعزل العنصري”.
رحلة الأجزاء الخمسة: من الزنزانة إلى المنفى
وعن تسلسل العمل، أوضح البوجي أن البداية كانت “مطاردة لفكرة بسيطة” بدأت مع أدباء غزة، لتوثيق تجاربهم خلف القضبان وفي مواجهة المحتل. ومع نجاح الجزء الأول، امتد الطموح ليشمل أدباء الضفة الغربية (الجزء الثاني)، ثم أدباء الداخل الفلسطيني الذين يحملون تجارب عميقة (الجزء الثالث)، وصولاً إلى توثيق الحركة الصحفية والتعليمية والحياة العامة (الجزء الرابع والخامس)، ولم يتوقف عند الحدود الجغرافية، بل تتبع أدباء الشتات في سوريا، ولبنان، ومصر، وأوروبا.

تحديات «المغامرة» والبحث عن الغائبين
لم تكن الطريق مفروشة بالورود؛ حيث واجه البوجي صعوبات جمة، لعل أقساها هو كيفية التعامل مع تجارب الأدباء الراحلين، وهو ما دفعه للبحث في أرشيفات العائلات وما تركوه في وسائل الإعلام. وأضاف: “واجهت صعوبة في التواصل مع البعض بسبب ضعف التكنولوجيا أو بعد المسافات، لكنني اتسم بالعناد الإيجابي؛ فكنت ألح في الطلب وأرسل الوسطاء حتى نجحت في الوصول إلى غايتي”.
معايير الاختيار: القيمة والفاعلية النضالية
وحول المعايير التي اعتمدها لاختيار 105 من الأدباء الموثقين في الموسوعة، أكد البوجي أن الاختيار لم يكن عشوائياً، بل استهدف من عاصروا الحروب الفلسطينية، وكانت لهم بصمة فاعلة في حركة التحرر والنضال. وقال: “ركزت على كبار السن والقامات الأدبية ذات القيمة التاريخية، فالهدف هو التوثيق لمرحلة مفصلية من عمر الأمة”.
أزمة النشر: من أوراق مصورة إلى مجلدات موثقة
كشف الدكتور البوجي عن واقع مرير واجه عملية النشر في غزة، حيث لا توجد دور نشر كبرى أو أرقام إيداع دولية، فكان يطبع أجزاء الموسوعة في البداية كـ “أوراق مصورة” لطلابه في الجامعة. وبعد محاولات عديدة واعتذار دور نشر كبرى بسبب التكلفة العالية، تبنت دار نشر يملكها فلسطيني طباعة الموسوعة بشكلها اللائق حالياً.
كنز للباحثين.. ورسالة للأجيال
اختتم الدكتور محمد البوجي حواره بالتأكيد على أن هذه الموسوعة ليست مجرد كتب، بل هي “مخازن للثقافة الفلسطينية” تضم الشعر، والقصة، والنقد، والسياسة، والاقتصاد. وعن طموحه قال: “لا يغريني الانتشار التجاري، بل أتمنى أن تتوفر نسخة في كل جامعة عربية؛ لتكون مرجعاً علمياً يعيش طويلاً ويوثق تفاصيل الحياة الفلسطينية بخصوصيتها وفرادتها”.









