فى عالم تُعلَّق فيه بطاقات السعر على كل شيء، يصبح السؤال الأخطر:
هل بقى شيء غير مخصّص للبيع؟
فى مقال امس تأملنا كيف يمكن أن يتحول الحزن إلى أداء، والفرح إلى عرض، والحب إلى مادة قابلة للنشر. كانت الفكرة أن الشعور نفسه دخل دائرة الطلب والعرض. لكن التحول لم يتوقف عند حدود العاطفة. ما بدأ بتسليع المشاعر انتهى إلى ما هو أعمق: تسليع الإنسان ذاته
>>>
السوق فى أصله أداة ومكان لتبادل المنافع وآلية لتنظيم الاقتصاد.
لكن الخطر يبدأ حين يتحول من أداة إلى مرجعية، حين لا يكتفى ببيع الأشياء، بل يبدأ فى إعادة تعريف القيمة نفسها
شيئًا فشيئًا، لم تعد قيمة الإنسان تُقاس بكونه إنسانًا بل بكونه منتجًا لا بعمقه، بل بأدائه لا بكرامته، بل بمدى الحاجة إليه.
>>>
وهكذا تغيّر السؤال الذى نحمله داخلنا:
لم يعد «من أنا؟» بل «كم أساوي؟»
كارل ماركس تنبّه مبكرًا إلى سيطرة «القيمة التبادلية»، حيث يُقاس الشيء بما يمكن أن يُستبدل به. لكن الحداثة المتأخرة ذهبت أبعد: لم تعد الأشياء وحدها تخضع للتبادل، بل الإنسان نفسه. أصبح «رأس مال بشريًا». موردًا. رقمًا فى معادلة.
>>>
عبدالوهاب المسيرى وصف هذا التحول باختزال الإنسان فى بعده الوظيفي. كائن يُفهم من خلال إنتاجه. ومع هذا الاختزال، يفقد الإنسان شيئًا جوهريًا: كونه غاية فى ذاته.
وحين ينفصل الفعل عن القيمة الأخلاقية «كما نبّه طه عبدالرحمن» يصبح الأداء هو المعيار الوحيد. ما ينجح هو ما يستحق. وما يُطلب هو ما له قيمة.
>>>
فى هذا المناخ، لم يعد السوق خارجنا.
صار داخلنا، نُقيِّم أنفسنا كما يُقيِّمنا الآخرون، نخشى أن نتراجع، لا لأننا فقدنا معني، بل لأننا فقدنا «جاذبية».
نستثمر فى ذواتنا كما تُستثمر المشاريع.
نُحسّن صورتنا كما تُحسّن العلامات التجارية.
>>>
حتى مشاعرنا « كما رأينا سابقًا » لم تسلم، انتُزعت من دفئها، فشيِّنت.
وصار الإنسان لا يعيش مشاعره فقط، بل يديرها، هنا يبلغ السوق ذروته:
حين لا يعود الإنسان يعيش فى سوق
بل يصبح هو نفسه معروضًا فيه.
>>>
لكن هل هذا قدر لا فكاك منه؟ ربما لا نستطيع إيقاف السوق لكن يمكننا أن نرسم حدًا داخليًا، أن نقول « ولو بصمت »:
هناك شيء فيَّ غير مخصّص للبيع.
كرامتى ليست منتجًا.
معناى لا يُقاس بالأرقام.
قيمتى لا ترتفع ولا تنخفض وفق الأداء.
يمكننى أن أعمل، أن أبدع، أن أنجح
لكن دون أن أختزل نفسى فيما أقدمه.
>>>
أن أفشل دون أن أفقد إنسانيتي.
أن أختار ما هو صحيح، حتى لو لم يكن مربحًا أن أحتفظ بمساحة لا تدخل فى حسابات السوق «غير مخصّص للبيع» ليست عبارة رومانسية
بل موقف وجودي.
>>>
أن تعيش وفى داخلك منطقة محرّمة على التسعير، علاقة لا تقوم على المنفعة، عبادة لا تُمارس لسمعة.
فعل خير لا يُنتظر منه مقابل.
صمت لا يحتاج جمهورًا، هناك فقط،
خارج معادلات العرض والطلب،
يستعيد الإنسان نفسه
>>>
إذا كانت المشاعر المستأجرة كشفت كيف يمكن أن يتحول الشعور إلى أداء
فإن السؤال اليوم أوسع:
هل نقبل أن يتحول وجودنا كله إلى عرض؟ ربما لا نستطيع أن نُسقط السوق من العالم،
لكن يمكننا أن نمنعه من استعمار أرواحنا
أن نبقى فيه…
لكن نضع على قلوبنا لافتة خفية تقول:
«غير مخصص للبيع»









