هناك أشياء لا ندرك قيمتها إلا حين نراها تُنتزع من مكانها، صوت الترام وهو يقترب بهدوء، رنينه المميز، امتزاج وجوه الطلاب بكبار السن، مروره بين البحر ووسط المدينة.. لم يكن مشهدًا عابرًا، بل كان جزءًا من روح الإسكندرية.
الحديث عن وقف ترام الرمل وتفكيك أصوله لا يمس وسيلة نقل فقط، بل يمس ذاكرة مدينة كاملة، خاصة فى وقت تعانى فيه الإسكندرية اختناقًا مروريًا متزايدًا، الأمر لا يقف عند حدود قرار إدارى، فهناك دعوى منظورة أمام القضاء الإدارى، وتحرك برلمانى رافض لوقف هذا المرفق العريق، ومع ذلك تتسارع أعمال فك القضبان والأسلاك وطرح الأصول للبيع.
أُعلنت مزايدة لبيع 41 قطارًا تضم 123 عربة، إضافة إلى الشبكة الكهربائية والقضبان والورش، بقيمة إجمالية 176 مليون جنيه، رقم يثير الدهشة حتى بالحسابات الأولية لقيمة المعادن، فكيف إذا أضفنا القيمة التاريخية والمعنوية؟ المال العام ليس أرقامًا فى دفاتر، بل أمانة، وأى شبهة بخس فى التثمين تمس حقوقًا لا يجوز التفريط فيها.
المؤسف أن الترام عومل فى كراسة الشروط كـ«أصناف ومهمات ميكانيكية» تصلح للبيع كخردة، كأننا أمام مخزن مهمل لا مرفق ارتبط بتاريخ المدينة ووجدان أهلها، مدن كثيرة أثبتت أن الحفاظ على المرافق التاريخية لا يتعارض مع التطوير، فى مدينة لشبونة مازال الترام القديم يجوب الشوارع الضيقة، لا كوسيلة نقل فقط، بل كرمز سياحى وبصرى يميز المدينة عالميًا، لم يُنظر إليه كعبء، بل كقيمة مضافة توازن بين الحداثة والهوية..الترام وسيلة نقل كهربائية نظيفة لا تطلق عوادم. فى مدينة تعانى ازدحامًا وتراجعًا فى جودة الهواء، يصبح الحفاظ على النقل الجماعى الكهربائى خيارًا استراتيجيًا لا رفاهية. العالم يتجه لخفض الانبعاثات وتعزيز الاستدامة، بينما نفكك شبكة قائمة كان يمكن تطويرها وتحديثها بدل إزالتها بالكامل.. كل عربة ترام تعنى سيارات أقل، وضوضاء أقل، وانبعاثات أقل.
لسنا ضد التطوير، بل نطالب به، فالإسكندرية تحتاج شبكة أسرع وأكثر أمانًا وانتظامًا.
لماذا لم يُطرح مسار للإصلاح المتدرج والإحلال الجزئى مع الحفاظ على الطابع التاريخى؟ ولماذا لم يُفتح نقاش مجتمعى واضح تُعرض فيه دراسات تقارن بين كلفة التطوير وكلفة الهدم؟
القضية ليست صراعًا بين قديم وجديد، بل بين رؤيتين لإدارة الشأن العام، رؤية ترى الأصول عبئًا، وأخرى تراها فرصة للاستدامة، بينهما تقف أسئلة القانون والشفافية والبيئة وحماية التراث.
التروماى فى الثغر لم يكن مجرد وسيلة انتقال، بل مساحة مشتركة وذاكرة متحركة لمدينة على البحر.
نحن لا ندافع عن حديد ونحاس، بل عن فكرة: أن التطوير يمكن أن يكون ذكيًا وعادلا، وأن المدن العظيمة لا تقطع جذورها كى تنمو، بل تسقيها لتزهر من جديد، اننا أمام فرصة لنثبت ان الاصلاح الحقيقى ولا يتعجل ما يمكن التروى فيه، فبعض القرارات يمكن تصحيحها غدا، لكن بعض الذكريات إذا أزيلت، لا تعود أبداً.









