نتواصل مع ذكرياتى الرمضانية التى سردت بعضاً منها فى المقال السابق لأتحدث هذه المرة عن تعرضى لموقف طريف فى بلاد الأكراد شمال العراق فقد دعانى فى رمضان صديقى الطبيب الذى يعمل فى محافظة السليمانية لزيارته ومشاهدة قرى وبلدان السليمانية الكردية وتناول طعام الإفطار مع صاحب المنزل الذى يسكن عنده بالإيجار وهو بيت ريفى له وسط دار مفتوح على السماء تطل عليه الغرف وطلمبة مياه بفسقية تماماً مثل بيوتنا فى الريف أيام زمان.
مكثت وصديقى فى المضيفة وهى بعيدة عن الغرف بعض الشىء لخصوصيتها فى استقبال الضيوف وعندما حان أذان المغرب كنت أتشوق لتناول الإفطار والارتواء من العطش الذى أصابنى لمشقة السفر منذ الصباح الباكر من بغداد التى أقطن فيها إلى السليمانية والتى تبلغ حوالى 450 كيلو، وعندما حان الطعام فوجئت وصديقى بصينية عليها لبن زبادى وجرجير وخس وتمر وخبز، فنظرت إليه وابتسمت ابتسامة خفيفة ذات معنى رضيت بنصيبى فأكلت وشربت حتى شبعت وارتويت، وبعد صلاة المغرب قدم الضيف القهوة العربى التى لم أكن أستصيغها لمرارتها بعض الشىء ولأنى لم أتعود عليها ولكن تناولتها على مضض.
قبيل أذان العشاء نظرت إلى صديقى كى يستأذن من صاحب البيت الذى يرتدى الملابس الكردية والتى تشبه سراويل الصيادين فى بلادى.. إلا أننى فوجئت به يقول انتظر حتى يأتى طعام الإفطار، فقلت لى وقد بدت على وجهى علامات الدهشة والصدمة.. ماذا تقول؟.. أى إفطار هذا وما الذى تناولناه، فابتسم وقال هذه عادتهم وليسوا مثلنا نتناول الطعام مرة واحدة، فبادرته معاتباً وقلت له إذن لماذا تركتنى أتناول الطعام وكأنه آخر زاد لى؟.. فقال لم ألحظ ذلك ولم أنتبه لما تأكل؟.
المهم بعد برهة دخلت الصوانى بما عليها من لذائذ الطعام فندبت حظى وتمنيت أن تكون لى معدتان فرائحة المشويات تغرى حتى الصائم بالإفطار ولاحظ صاحب البيت أننى لا أمد يدى للطعام فقال لماذا لا تأكل باللغة الكردية التى يعرفها صديقى وترجمها لى، فقلت له مفيش مكان فى المعدة يانذل..! فقال لى – والحديث مازال على لسان المضيف – الرجل سيغضب إذا لم تأكل لأنه يعتقد أن الطعام مش «قد المقام» فقلت له قل له اننى شبعت من أول مرة لأنى لم أعرف تلك العادة الرمضانية، فترجم له ذلك فابتسم وعاتب صديقى ورغم ذلك ألح عليَّ بأكل شىء وصار يأخذ من اللحوم ويعطينى ومن الكبسة الخليجى ويعطينى فجاملته بعد مرة حتى شعرت بالتخمة وبالغثيان وتوقفت تماماً.
كما أتذكر عندما كنت أعزب أوائل الثمانينيات فى ليبيا حيث كنت مدرساً وحاولت أن أقوم بطهى المكرونة لأول مرة فى حياتى اعتقدت أنها مثل طهى الأرز الذى جربت طهيه بعض مرة، وقلت لنفسى لأجرب، وبالفعل قمت بغسل المكرونة أولاً ثم وضعتها فى «الحلة» وأغرقتها بالماء لسلقها، ولكن فوجئت بحبات المكرونة تتلاشى بعض الشىء حتى شبه اختفت تماماً لأجدها مثل العجين.. ولأن وقت أذان المغرب أوشك على الاقتراب ذهبت بالحلة وبها عصير المكرونة إلى الشقة المقابلة لى لأسأل الجيران عما آل عليه حال المكرونة، ومن حسن الحظ التى فتحت لى الباب سيدة كبيرة يبدو أنها الجدة وابتسمت بدهشة عندما وجدت المكرونة بهذا الشكل، ولأنها لاحظت خجلى من السؤال بادرت على الفور بأخذها وقالت انتظر برهة.. لأجدها تعطينى طعاماً من عندها لأن الوقت ضيق، فالأذان قد اقترب ولا مجال لنزول السوق لشواء أى طعام للإفطار.. ثم أرسلت لى «الحلة» شبه المحترقة بعد غسلها.
كما أتذكر أننى عندما كنت فى الجامعة أردت أن أسلى صيامى وأنا فى شقتى بالعباسية أن أقوم بمسح الشقة، وكانت أول وآخر مرة فى حياتى، المهم ملأت الشقة بالماء بالخرطوم وكلما حاولت بالمساحة إزاحتها إلى الحمام أجدها تعود ثانية، لم أكن أعرف حكاية الجردل و«الخيشة»، بدأت أنفعل وأتضايق لأنى ورطت نفسى فى موضوع لا يخص الرجال ولم يكن له داع خاصة فى رمضان، وعندما فشلت فى إزاحة الماء والمغرب قد اقترب وأصابنى التوتر – لأن من المفروض أن أذهب إلى السوق لشراء طعام الإفطار – ناديت على البواب الذى أنقذنى من غرق الشقة ودخل هو وزوجته لسرعة المسح بعدما بادرا بالضحك وقالا لأول مرة نراك تقوم بمسح الشقة.. عندما تريد ذلك أبلغنا، فقلت فى نفسى لن أكررها ثانية، وأذكر مرة ولكن فى السحور، أننى وضعت الطعام والزبادى على السفرة بعد عودتى من تغطية صحفية ليلاً وقلت لأستريح لمدة ساعة وأقوم لتناول السحور مبكراً ثم أنام بعد صلاة الفجر ولأنى كنت أحتاج إلى النوم بعد يوم عمل فى الجريدة نهاراً ومتابعة مع مباحث قسم الوايلى الذى أقطن خلفه لحادثة قتل أواخر الثمانينيات.. استغرقت فى النوم ولم أجد نفسى إلا بعد حضور محصل الكهرباء العاشرة صباحاً.. وللحديث بقية.









