من العبث تبرير سلوكياتنا الخاطئة وانفعالاتنا وسوء تعاملنا مع الآخرين بالصوم.. فالصوم أراده الله عبادة تستهدف دائماً – بعد طاعته- تربية الإنسان على الصبر وقوة التحمل وحسن الخلق.. الصوم يربى الإنسان على الفضائل، ويواجه التجاوزات السلوكية، وليس كما يدعى البعض ممن يبررون انفعالاتهم وسوء سلوكهم بالصوم.
أقول هذا بعد أن قرأت ما تردد من تبريرات لجريمة العدوان على فرد أمن داخل أحد المجمعات السكنية فى اليوم الأول من الشهر الفضيل وتبرير ذلك بالصوم!!
ما ينبغى أن ندركه جميعاًً أن العبادات فى الإسلام مناهج للتربية، تصحح العقيدة وتطهر الأخلاق، وتقوم السلوك، والإنسان الذى يصوم ويصلى ويتقرب إلى خالقه بالزكوات والصدقات فى رمضان يجمع بين حسن الخلق وحسن العباده، لأن كل ما يتقرب به إلى الله يضبط سلوكه ويصرفه عن كل سلوك خارج عن حدود الأدب والأخلاق.. ولعل هذا ما يبرر انخفاض معدل الجرائم فى رمضان.
والصيام بهذا المعنى الراقى عبادة تجلب السعادة للانسان رغم ما فيه من حرمان من الشهوات ومطالب الجسد، فقد جعل الحق ســبحانه هــدف هذه العبادة «التقوى» فقال: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» والتقوى هى جماع كل الفضائل، وهى التى تجلب للانسان الطمانينة والاستقرار والسعادة.
والصائم الملتزم بآداب وأخلاقيات الصيام راق فى سلوكه متحضر فى تصرفاته، إنسان راق فى كل ما يصدر عنه من أقوال وأفعال، وذلك لأن خالقه الذى فرض عليه الصوم ورسوله الذى بعثه الله لهدايته إلى كل الفضائل ومكارم الاخلاق يغرسان فيه هذا السلوك الحضارى، يقول عليه الصلاة والسلام:» اذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله ـ وفى رواية شاتمه ـ فليقل انى امرؤ صائم» وفى تعبير جامع يؤكد الرسول «صلى الله عليه وسلم»، أن التزام حسن الخلق هو الغاية القصوى للصوم فيقول :» من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه: فقول الزور والعمل به يعنى المعاصى كلها، وترك ذلك يعنى الحرص على الطاعات والتعامل مع كل خلق الله برقى وتحضر ومنح كل ذى حق حقه.
>>>
لم يفرض الله علينا الصوم لكى نتوتر وننفعل ونسئ إلى خلق الله.. بل فرض علينا الصوم لغرس الاخلاص والتقوى فى القلوب، فالصائم الحق لا يقصد بصيامه الا رضا خالقه عز وجل والطمع فى ثوابه، والخوف من عقابه، ولذا ختمت أول آية تحدثت عن الصيام بقوله تعالى:» لعلكم تتقون».
الصوم يهذب الروح، ويساعد النفس على الاستقامة والصفاء، ويعين القلب على التطهر والنقاء.. الصوم يربى الإنسان على قوة الإرادة، وصدق العزيمة، والتغلب على تحكم العادات فى نفسه، وتحمل المشاق والمصاعب بصبر وجلد.
حاجة الجسد إلى الطعام والشراب فى ساعات الصيام – كما أكد كبار الأطباء- لايمكن أن تدفع الإنسان إلى سلوك عنيف.. بل يكون الصوم مع كثير من الناس فرصة لإراحة الجسد من أعباء الطعام والشراب وفى ذلك كشف لأهداف عبادة الصوم الصحية والنفسية فهى عبادة ـ كما يقول الدكتور احمد الطيب شيخ الازهر ـ تجلب لمن يؤديها بأدب وإخلاص كل الرضا والاستقرار النفسى، فقد أرضى الصائم بصيامه خالقه الذى فرض عليه الصوم، وحقق لنفسه فوائد ومكاسب عديدة، وأرضى كل المحيطين به بسلوك طيب فرضته عليه وألزمته به عبادة الصوم، وقادته هذه العبادة بما فيها من حرمان ومعاناة إلى الشعور بحاجة المحرومين وبالتالى العطف عليهم والاحسان اليهم.
وهنا يتضح لنا.. والكلام للدكتور الطيب.. أن الصوم يضبط سلوك الإنسان ويفرض عليه التحكم فى انفعالاته حتى لا يهدر أجر وثواب صومه، ولذلك ليس هناك ما يبرر انفعالات بعض الصائمين وتوترهم خلال ساعات الصوم، فالصيام يعلم الإنسان الصبر ويقوى إرادته، ويربيه على الفضائل ومكارم الأخلاق، ويضفى على سلوكه المزيد من العفو والرحمة والتسامح ، كما يكبح شهواته ولذلك أطلق رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، نداءه الشهير للشباب :» يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة ـ تكاليف الزواج وأعبائه ـ فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».









