في إطار مبادرة “إضاءات بحثية” التي تطلقها كلية العلوم بجامعة القاهرة، حقق فريق بحثي مصري إنجازاً دولياً جديداً بنشر دراسة نوعية في مجال “علم السموم الحشري الشرعي” (Entomotoxicology). الدراسة التي نُشرت في دورية International Journal of Legal Medicine العالمية المصنفة ضمن الفئة الأولى (Q1)، لا تتعامل مع الحشرات كأدلة صامتة فحسب، بل تستنطقها لكشف أسرار السموم والعقاقير المختبئة داخل الجثث المتحللة.
هل تغير “يرقة” مسار قضية قتل؟
انطلقت الدراسة من تساؤل علمي مثير: هل يمكن ليرقة صغيرة أن تبرئ متهماً أو تدين جانياً؟ أثبتت النتائج أن الحشرات هي الأداة العلمية الأدق لتقدير زمن الوفاة، خاصة بعد مرور 72 ساعة وتلاشي الأدلة الحيوية التقليدية. غير أن البحث وضع يده على ثغرة خطيرة؛ وهي تأثير العقاقير المخدرة على نمو هذه الحشرات، مما قد يضلل جهات التحقيق.

“المورفين” وتضليل زمن الوفاة
ركز الفريق البحثي على دراسة تأثير مخدر “المورفين” على نمو يرقات “الذبابة الزرقاء” (Chrysomya megacephala)، وهي أحد أهم الفواعل الحيوية في مسرح الجريمة. وكشفت التجارب المخبرية الدقيقة عن نتائج صادمة:
- تزييف الوقت: يؤدي وجود المورفين إلى تأخير نمو اليرقات، مما قد يسبب خطأً في تقدير زمن الوفاة يصل إلى 16 ساعة كاملة، وهي فجوة زمنية كفيلة بتغيير مجرى التحقيقات تماماً.
- المستودع البيولوجي: أثبتت التحاليل أن أنسجة اليرقات وأغلفة العذارى تحتفظ بآثار المورفين، مما يجعلها “صندوقاً أسود” يكشف السموم حتى لو تحللت الجثة بالكامل.
- الأدلة الرقمية: رصدت الدراسة تغيرات دقيقة في أطوال وأوزان اليرقات، مما يوفر لخبراء الطب الشرعي دليلاً رقمياً جديداً يدعم تقاريرهم الفنية.
البحث يعزز منظومة العدالة
من جانبه، صرح الأستاذ الدكتور محمد سامي عبدالصادق، رئيس جامعة القاهرة، بأن هذا الإنجاز يجسد رؤية الجامعة في تعظيم الأثر المجتمعي للبحث العلمي، وربطه باحتياجات الدولة السيادية وعلى رأسها منظومة العدالة. وأكد دعم الجامعة للبحوث “بينية التخصصات” التي تدمج العلوم الأساسية بالتطبيقات الجنائية العملية.
التحديات الجنائية المعاصرة

وفي سياق متصل، أكدت الأستاذة الدكتورة سهير رمضان فهمي، عميدة كلية العلوم، أن هذا التميز يعكس ريادة المدرسة العلمية للكلية، موجهةً الشكر للفريق البحثي الذي ضم نخبة من الكوادر من جامعة القاهرة (د. عبير محسن، أ.د. السيد شورب، د. مصطفى سليمان، أ.د. عمرو عبدالسميع)، بالتعاون مع باحثين من جامعتي الملك خالد والزقازيق.
نحو قاعدة بيانات وطنية
يضع هذا البحث حجر الزاوية لبناء قاعدة بيانات وطنية تأخذ في الاعتبار تأثير البيئة والعقاقير على الأدلة الحيوية، مما يرسخ لعدالة ناجزة ترتكز على أدلة علمية لا تقبل التأويل، ويؤكد أن جامعة القاهرة تظل دائماً في طليعة المؤسسات التي تخدم المجتمع بعلمٍ رصين.









