فى بعض قرى مصر، كما فى مجتمعات أخرى قديمة، كانت «النائحة المستأجرة» أو «المعدّدة» مشهدًا مألوفًا فى المآتم. نسوة محترفات، يرفعن الصوت بالبكاء، ويعددن مناقب الراحل، ويشققن الجيوب، ويؤدين طقس الحزن بإتقانٍ يكاد يلامس الاحتراف المسرحى. كان البكاء هنا وظيفة، والصراخ مهنة، والحزن أداءً يُدفع أجره مسبقًا.
>>>
قد يُنظر إلى الظاهرة بوصفها تقليدًا اجتماعيًا يهدف إلى تفريغ الألم الجمعى أو إضفاء مهابة على الفقد. لكن التأمل الفلسفى يقود إلى سؤال أعمق:
هل يمكن للحزن أن يُستأجر؟
وإذا جاز أن يُؤدَّى الحزن بأجر، فهل يمكن أن يُؤدَّى الفرح بأجر؟ والحب؟ والتدين؟
>>>
النائحة المستأجرة لم تكن تحزن حقًا؛ كانت تمثل الحزن. كانت تُنتج صورة الحداد لا جوهره. الفرق بين التجربة والأداء هو الفرق بين الاحتراق الحقيقى وحرارة المصباح. الأول ينبع من الداخل، والثانى يُدار بمفتاح خارجي. هنا يبدأ الخيط الرفيع بين الطقس والتمثيل، بين الشعور ووظيفته.
>>>
إريك فروم، فى تحليله للشخصية التسويقية، أشار إلى أن الإنسان الحديث يتعامل مع ذاته كما لو كانت بضاعة. يعرض مهاراته، وأفكاره، وحتى انفعالاته، وفق ما يطلبه «السوق». فإذا كان السوق يريد حزنًا، قُدّم الحزن. وإذا أراد حماسة، قُدمت الحماسة. المشاعر لم تعد تعبيرًا عن كينونة، بل أدوات قابلة للتشغيل والإيقاف.
>>>
كارل ماركس تحدث عن «تشيىء» الإنسان، أى تحوله إلى شىء ذى قيمة تبادلية. ومع الزمن، لم تعد السلع وحدها ما يُشيَّأ، بل الإنسان نفسه. والمفارقة أن النائحة المستأجرة كانت صورة مبكرة لهذا التشيىء: شعور يُنتج عند الطلب، يُقاس بعلوّ الصوت وحرارة الأداء، لا بصدق الألم.
>>>
لكن ما كان استثناءً فى قرية صغيرة أصبح اليوم قاعدة واسعة. لم تعد لدينا نائحة مستأجرة فحسب، بل ضاحكة مستأجرة، ومحبّ مستأجر، ومتدين مستأجر. نرى الفرح يُؤدّى أمام الكاميرا، ويُعاد تصويره حتى يبدو أكثر إشراقًا. نرى الحب يُعلن ويُستعرض، وكأنه عرض علاقات عامة. نرى التدين يُقدّم فى صورة شعارات وطقوس ظاهرة، بينما قد يظل المعنى الداخلى غائبًا.
>>>
عالمة الاجتماع آرلى هوشيلد قدّمت مفهوم «العمل العاطفى»، حين يُطلب من الإنسان أن يُظهر مشاعر معينة بوصفها جزءًا من عمله. المضيفة الجوية مطالبة بالابتسام، حتى لو كانت منهكة. الموظف مطالب بالحماس، حتى لو كان محبطًا. غير أن ما كان مقتصرًا على العمل امتد إلى الحياة كلها. صرنا نؤدى أدوارنا العاطفية كما لو كانت وظائف دائمة.
>>>
غى ديبور، فى مجتمع الفرجة، أشار إلى أن الحياة المعاصرة تتحول إلى مشهد. ما لا يُرى لا يُحسب، وما لا يُعرض لا يُعترف به. وهكذا يصبح الحزن عرضًا، والفرح عرضًا، وحتى التدين عرضًا. المهم ليس أن يكون الشعور حقيقيًا، بل أن يكون مرئيًا ومقنعًا.
>>>
هنا تتبدل طبيعة السؤال:
لم يعد «هل أشعر حقًا؟»
بل «هل يبدو شعورى مقنعًا؟»
الفرق هائل. فى الأولى نبحث عن صدق التجربة، وفى الثانية نبحث عن جودة الأداء. ومع الوقت، قد يضيع الحد الفاصل بينهما، فيختلط التمثيل بالحقيقة، ويصير الإنسان غريبًا عن ذاته.
>>>
لكن هل كانت النائحة المستأجرة شرًّا خالصًا؟ ربما لا. قد تكون أدت وظيفة اجتماعية، فالمجتمع القديم كان يرى فى الحداد الجماعى اعترافًا بقيمة الميت. غير أن الخطورة اليوم تكمن فى تعميم الظاهرة، لا فى وجودها المحدود. حين يصبح كل شىء قابلًا للاستئجار، تتآكل الأصالة.
>>>
سورين كيركغارد حذّر من «العيش فى الجمهور»، حيث يفقد الفرد ذاته فى نظرة الآخرين. الإنسان الذى يؤدى مشاعره باستمرار، ليرضى توقعات محيطه، يفقد صلته بصوته الداخلي. يصبح صدى لا صوتًا، وصورة لا جوهرًا.
>>>
أن يتحول الحزن إلى وظيفة، أمر يمكن فهمه فى سياق طقس اجتماعى قديم. لكن أن يتحول الحب إلى صفقة، والفرح إلى إعلان، والتدين إلى علامة هوية تُستخدم للمكانة، فذلك يعكس أزمة أعمق: أزمة معنى.
>>>
المشكلة ليست فى التعبير، بل فى الاستبدال. حين يحل الأداء محل التجربة، ويحل الشكل محل المضمون، نعيش فى عالم من القشور. قد تبدو القشرة براقة، لكنها بلا لبّ.
ربما يكون السؤال الأهم اليوم:
كيف نحافظ على مساحتنا الداخلية من أن تُستأجر؟
>>>
أن نحزن حين نحزن، لا حين يُطلب منا أن نحزن.
أن نحب لأن القلب امتلأ، لا لأن الصورة تحتاج إلى تحسين.
أن نتدين لأن الروح عطشى، لا لأن الجمهور يراقب.
>>>
فى زمن تتكاثر فيه «المشاعر المستأجرة»، يصبح الصدق فعل مقاومة. أن ترفض أن تكون ممثلًا دائمًا على مسرح الحياة. أن تقبل أن تكون بسيطًا، صامتًا، غير مرئى أحيانًا.
>>>
فربما تكون إنسانيتنا الحقيقية فى تلك اللحظات التى لا يدفع فيها أحد أجرًا، ولا ينتظر فيها أحد عرضًا، بل نكون فيها كما نحن.. بلا جمهور، وبلا ثمن.









