>> من كرم الله سبحانه وتعالى أن منح عباده أزمنة مختارة تكون فيها أعمالهم الصالحة وأدعيتهم مقبولة ومستجابة بإذنه.. حيث فضَّل أوقاتاً على أخري.. وشهوراً على غيرها.. وليالى جعل واحدة منها بألف شهر.. وكان «رمضان» الأوفر حظاً فى كل ذلك.
جعل الله رمضان أفضل شهور السنة.. وكرَّمه بالصيام والقيام وليلة القدر واختصه بزكاة الفطر متفردة عن كل أصناف الزكاة والصدقات.. ومن صامه وقامه وكتبت له ليلة القدر غفر له ما تقدم من ذنبه.. ومن أدى زكاة الفطر تكون للصائم طُهرة من اللغو والرفث وطُعمة للمساكين كما روى ابن عباس عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعند القبول يكون العتق من النيران بإذن الله.
فكيف لمثل شهر التقوى والصبر والعزيمة ألا يكون عنواناً لانتصارات المسلمين.. ويشهد أهم الغزوات والحروب التى كانت فاصلة فى تاريخ الدعوة وبناء الدولة وعززت رسالة الإسلام فى تحرير الشعوب من الرق والعبودية والشرك إلى توحيد الله فكانت خير أمة أخرجت للناس بعد أن أكمل الله للمسلمين دينهم وأتم عليهم نعمته.. ورضى لهم وللبشرية «الإسلام» ديناً؟!
فرض الله صيام رمضان على المسلمين فى العام الثانى للهجرة.. وفى أول رمضان وبعد 17 يوماً فقط من بدء صيام المؤمنين كانت «بدر».. أولى الغزوات والانتصارات التى فرقت بين الحق والباطل وألحقت بالمشركين هزيمة نكراء حيث قتل منهم 70 من صناديد الكفر الذين أخرجوا الرسول والمؤمنين من مكة بعد أن عذبوهم وطردوهم واستولوا على أموالهم.. فكان نصر الله فى يوم «الفرقان» رداً لكرامة المهاجرين وتثبيتا لإيمانهم هم والأنصار بعد أن تأكد الجميع أن الله معهم يؤيدهم بآلاف من الملائكة.. وزادت قوة الدولة الإسلامية الوليدة وذاع صيتها بين القبائل وحصل المسلمون على غنائم عديدة من الفدية بعد أن تم أسر 70 من قريش التى بدأت هيبتها تهتز بعد الهزيمة!!
جاء فتح مكة فى العام الثامن للهجرة يوم 20 رمضان.. فدخل الناس بعدها فى دين الله أفواجاً.. وعفا الرسول عن قريش وأهل مكة الذين عذبوه وأخرجوه وقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» فى أكبر عفو عرفه التاريخ لقائد عسكرى منتصر على أعدائه ليؤكد سماحة الإسلام وأن محمداً- صلى الله عليه وسلم- رسول الرحمة.. وتحطمت أصنام الشرك فى بيت الله الحرام وتم منع دخول المشركين لمكة إلى اليوم.
من أهم الانتصارات التى تحققت أيضاً فى شهر رمضان الكريم.. كان فتح الأندلس على يد طارق بن زياد عام 92 هجرياً.. واستمر الحكم الإسلامى هناك أكثر من 700 عام إلى أن سقطت غرناطة بعد أن أصاب الوهن الدولة وتفرقت الطوائف وانتهى حكم المرابطين والموحديين.. ولكن أوروبا عرفت الإسلام وأخذت عن العرب والمسلمين معظم العلوم والفنون والفلك والطب وكذلك العادات الصحية والنظافة الشخصية كالاستحمام واستخدام السواك!!
صرخت امرأة «وامعتصماه» بعد أن وقعت أسيرة فى يد جنود الروم البيزنطيين وأهانوها.. وصلت الاستغاثة إلى الخليفة العباسى المعتصم بالله على بُعد مئات الأميال فجهز جيش المسلمين لرد كرامة هذه المرأة وصمم على فتح عمورية أهم مدن الإمبراطورية الرومانية «وهى مدينة فى تركيا حاليا» وذلك رغم ان العرافين حذروا المعتصم من هذه المعركة لأن نجومهم وفلكهم أثبت ان المدينة لن تفتح ولن يكسب الحرب.. توكل المعتصم على الله فانتصر فى 17 رمضان عام 223هـ وبعد المعركة كتب الشاعر العباسى «أبوتمام» قصيدته التى بدأها بالبيت المشهور «السيف أصدق أنباء من الكتب.. فى حده الحد بين الجد واللعب» ليسخر من المنجمين ويؤكد ان النصر يتحقق فى ساحة الحرب بالسيف والقتال والشجاعة.. والإعداد الجيد والتوكل على الله قبل كل ذلك.. وليس بالفهلوة ولا بالتنجيم!!
لا يمكن أن ننسى فى هذا الشهر الكريم معركتى حطين وعين جالوت.. حيث وقعتا يوم 25 رمضان الأولى عام 583 هجريا وانتصر فيها صلاح الدين الأيوبى على الصليبيين بقيادة ريتشارد قلب الأسد وكانت بداية تحرير بيت المقدس واستعادته من قوات أوروبا التى تجمعت للقضاء على العرب والمسلمين واحتلال القدس العربية.. أما عين جالوت فقد انتصر فيها سيف الدين قطز سلطان مصر على المغول وأبادهم بعد أن دمروا كل بلد دخلوه وسيطروا على بغداد مقر الخلافة العباسية.
آخر المعارك فى الشهر الكريم.. كانت فى العصر الحديث فى العاشر من رمضان.. عندما انتصر المصريون بقيادة أنور السادات على إسرائيل بعد أن عبر الجيش المصرى قناة السويس وحطم خط بارليف واستعاد سيناء بعد معركة أخرى سياسية- دبلوماسية.. وشهدت هذه الحرب فى بدايتها تعاونا مع الجيش السورى ومشاركات من قوات لعدة دول عربية.. كما لعب سلاح البترول دوراً فى الحد من انحياز الغرب للدولة العبرية اليهودية رغم الدعم العسكرى والسياسى اللامحدود من أمريكا لإسرائيل حيث أنقذتها من الانهيار ومن هزيمة ساحقة.. بتدخلها المباشر.
المهم ان حرب رمضان «أكتوبر 73» كانت آخر مرة تشهد التضامن العربى والإسلامي.. فبعدها بدأت المخططات الخارجية لتفكيك المنطقة وعدم السماح للعرب مرة أخرى بالوحدة أو حتى باتخاذ موقف واحد فى أى قضية!!
ليت كل مسلم يقرأ تاريخه.. عسى أن ينتبه العرب والمسلمون قبل فوات الأوان إلى ما يحاك ضدهم.. وإلا أصبحنا كما صرخ المتنبى «يا أمة ضحكت من جهلها الأمم»!!









