فى الجزء الأول، توقفنا عند سؤال مصيري: أين يقف العالم العربى من سباق التكنولوجيا الكبرى؟ واليوم، نقدم رؤية لما يمكن فعله، ليس من قبيل الترف الفكري، بل من قبيل الضرورة القومية، لأن ما يحدث الآن ليس مجرد تطور تقنى يمكن انتظاره أو تجاهله، بل هو تحول وجودى يعيد تشكيل خريطة الثروة والنفوذ فى العالم، ومن يتخلف عن هذا الركب، سيجد نفسه غدًا خارج الخريطة تمامًا.»
لنبدأ بالأرقام، لأنها القادرة على كسر جدار اليأس الذى يحيط بنا أحيانًا، وفقًا لأحدث تقارير معهد التمويل الدولي، تدير صناديق الثروة السيادية فى الشرق الأوسط أصولاً تتجاوز 5.6 تريليون دولار، هذا الرقم يعد ثالث أكبر اقتصاد فى العالم، بعد الولايات المتحدة والصين، والأكثر إثارة أن هذه الأصول مرشحة للارتفاع إلى 8.8 تريليون دولار بحلول عام 2030، كما أنه يفوق الناتج المحلى الإجمالى لألمانيا واليابان مجتمعتين تقريبًا، إنها أموال يمكنها أن تشترى مستقبلًا كاملًا لأمة، لكن السؤال: كيف نستثمر هذه الأموال؟
نحتاج إلى استثمار إستراتيجى طويل المدى فى التقنيات العميقة. 560 مليار دولار «10 ٪ من 5.6 تريليون» يمكنها أن تصنع معجزة اقتصادية حقيقية فى المنطقة، يمكنها أن تبنى مدنًا علمية متكاملة، وتستقطب أفضل العقول العالمية، وتمول أبحاثًا فى الحوسبة الكمومية والاندماج النووي، وتنشئ صناعات جديدة بالكامل.
السؤال التالي: فى أى المجالات يمكن للعالم العربى أن ينافس؟ الإجابة المختصرة: فى المجالات التى تتطلب استثمارًا طويل المدى وصبرًا إستراتيجيًا، وهى بالضبط المجالات التى تتردد فيها الشركات الخاصة بسبب المخاطر العالية، هنا يأت، دور الصناديق السيادية.
ويجب ان يكون الاستثمار فيما يأتي:
أولاً: الحوسبة الكمومية.
هذا المجال لا يزال فى بداياته، والعوائد المحتملة هائلة: ليس فقط عوائد مالية من براءات الاختراع والتسويق، بل والأهم، بناء قاعدة من الكفاءات العلمية المحلية القادرة على الابتكار.
ثانياً: طاقة الاندماج النووي.
هذا المجال يتطلب استثمارات أكبر وصبرًا أطول، المشروعات الحالية مثل «ITER» فى فرنسا تكلف أكثر من 20 مليار دولار وتستغرق عقودًا، لكنه ينتج: طاقة نظيفة لا تنضب، بتكلفة زهيدة، وبدون انبعاثات. والدول العربية تملك عاملين حاسمين: المال، والشمس. وهذا يمكن أن يحول المنطقة إلى مصدر رئيسى للطاقة النظيفة للعالم كله.
التقديرات تشير إلى أن كل جيجاوات من طاقة الاندماج يخلق آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة.
ثالثاً: المواد المتقدمة.
هذا المجال أقرب إلى التطبيق وأقل تكلفة، فالاستثمار فى أبحاث الجرافين والمواد فائقة التوصيل والمواد الذكية يمكن أن يحقق عوائد سريعة نسبيًا. كل مليار دولار يستثمر فى هذا المجال يمكن أن يخلق آلاف الوظائف المتخصصة، ويفتح أسواقًا تصديرية جديدة.
الطريق أمامنا واضح، التحدى ليس فى معرفة ما يجب فعله، بل فى الإرادة على الفعل، فالمستقبل لا يُمنح، بل يُصنع، وصناعته تبدأ من الآن، أو لا تبدأ أبدًا، فالمعركة الحقيقية فى القرن الحادى والعشرين ليست معركة الحدود والجيوش، بل معركة العقول والمختبرات، ومن يمتلك العقول، يمتلك المستقبل. ومن يمتلك المستقبل، يمتلك كل شيء.









