رمضان فى جوهره مدرسةٌ لضبط الشهوة لا لإطلاقها، ولإعادة ترتيب الأولويات لا لإرباكها. هو شهر الإحساس بالجائع، لا شهر استعراض الموائد العامرة بما لذّ وطاب. فكيف يستقيم أن يتحول الصيام الذى شُرع لتقليل التعلق بالماديات – إلى موسمٍ لزيادة الاستهلاك، ورفع معدلات الهدر، وإثقال كاهل الأسر بمصاريف إضافية لا طائل منها؟
هذا التهافت على شراء المواد التموينية لايمكن تبريره بحاجةٍ واقعية، بل هو انعكاس لثقافة استهلاكية متجذرة، تتغذى على الخوف المصطنع من النقص، وعلى وهم -التخزين الاحترازي- الذى يتجاوز حدود المعقول. يمتلئ كل بيت بما يفوق حاجته، وتتكدس المواد الغذائية فى الخزائن والثلاجات، ثم ينتهى جزء غير قليل منها فى سلة المهملات، فى مفارقةٍ صارخة بين قدسية الشهر وسلوكيات بعض أبنائه.
شهر رمضان، حيث يُفترض أن تتراجع وتيرة الاستهلاك لا أن تتضخم، نُفاجأ كل عام بمشهدٍ معكوسٍ تماما لجوهر الصيام.
فالأصل أن الإنسان فى الأيام العادية يتناول ثلاث وجبات رئيسية، بينما يقتصر الأمر فى رمضان – من الناحية المنطقية – على وجبة إفطار رئيسية، مع سحورٍ يظل خياراً شخصيا أو وجبة خفيفة فى أحسن الأحوال. ومع ذلك، تتحول الأسواق قبيل الشهر الفضيل إلى ساحات سباقٍ محموم، وكأننا مقدمون على حصارٍ طويل لا على شهر عبادةٍ وزهدٍ وانضباط. ويُمثّل شهر رمضان صراعا مستمراً بين المقاصد الروحانية التى تدعو للزهد والسمو النفسى، وبين الأنماط الاستهلاكية التى تحوّله إلى «موسم اقتصادي» بامتياز. حيث يهدف الصيام فى جوهره إلى تحقيق تزكية النفس والارتقاء بها من خلال تهذيب النفس لأن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو تدريب على التحلى بالصبر والتسامح والسيطرة على الغضب والشهوات أضافة الى أنه يسهم فى تحقيق التكافل الاجتماعى ، الشعور بآلام المحرومين ينمى قيم الكرم والإحسا ن والمبادرات المجتمعية ومساعدة المحتاجين إضافة الى ان شهر رمضان يوفر فرصة للابتعاد عن صخب الحياة اليومية عبر قراءة القرآن والصلاة، مما يحقق صفاءً ذهنيا ونفسيا.ً إن خطورة سلوكيات شراهة الاستهلاك ليس أثرها اقتصادى فقط ، رغم أهميته، بل أثره القيمي. إذ يرسّخ فى الأذهان أن رمضان شهر أطعمةٍ وحلوياتٍ وعروضٍ تجارية، لا شهر عبادةٍ ومراجعةٍ للنفس. وتتبدل الأولويات من التحضير الروحى إلى التحضير التمويني، ومن تهيئة القلب إلى ملء السلا ل. وكل ما سبق ليس بالطبع موجها لمن يشترى حاجته المعقولة، ولا لمن يستعد بما يكفيه وأهله بقدرٍ متوازن، وإنما لمن يجعل من رمضان ذريعةً للإفراط، ومن الخوف من -الندرة- مبرراً للتخمة. فلو التزم الناس بحدود الاستهلاك الطبيعي، لوجدوا أن رمضان – من حيث الحساب البسيط – شهرُ تقليلٍ لا تكثير، وشهرُ اقتصادٍ لا إسراف.
وختاما : رسالة من القلب لكل ابناء الوطن والاهل والاقارب والاصدقاء ومن يريد ان يرسخ ان شهر رمضان هو فرصة لإعادة التوازن فى امور الحياة فى منظومة متكاملة تجمع بين القيم الروحانية وتعظيم ثقافة القناعة والرضا وترشيد الاستهلاك بالصورة التى تحقق قيمة مضافة فى الدنيا والاخرة لأن المبالغة فى الانفاق نقمة والاعتدال نعمة يجب ان نعمل عليها ونسعى لتنميتها ونرسخ لقيمتها …
حفظ الله مصر
حما شعبها العظيم وقائدها الحكيم









