بعض الإنجازات والنجاحات يتراجع تأثيرها وأهميتها بمرور الزمن، إلا نصر العاشر من رمضان 1393هـ – السادس من أكتوبر 1973م، فهذا الانجاز يزداد تأثيره عاما بعد عام، ونستدعيه في كل وقت تشتد فيه الصراعات والحروب في المنطقة والعالم، فليس هناك أهم من القوات المسلحة لدي المصريين، وليس هناك أهم من الدفاع عن الوطن ومكتساباته لدي رجال الجيش المصري، فقد تشاركا «الشعب والجيش» في محو آثار هزيمة 1967 وعزف كلاهما أعظم سيفونية عسكرية في حرب «رمضان – اكتوبر المجيد»، كما عزف كلاهما سيمفونية أخري في حماية مصر من السقوط عقب أحداث يناير 2011، ومازال الشعب وقواته المسلحة يعزفان سيمفونيات متعددة تشمل الدفاع عن حدود الدولة وأمنها القومي، والحفاظ علي السيادة الوطنية والمشاركة في البناء والتنمية ووضع مصر في المكانة اللائقة التي تستحقها إقليميًا ودوليًا ، وفي كل الأحوال تظل ذكري النصر العظيم في حاجة للقراءة والتحليل لكي نتفهم ماذا دار بها ولماذا يخشى أعداؤنا من سيرتها حتى الآن.
>>>
كان العدوان الإسرائيلي في العام 1967، أبشع في وسائله وتداعياته من حروب سابقة كثيرة مرت علي مصر، فالهزيمة التي هزت الإقليم اسفرت عن احتلال سيناء وأراض عربية أخري ودمرت أكبر الجيوش في المنطقة، ولكن «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة»، هذا المبدأ الذي أعلنه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في نفس عام الهزيمة، تحول إلي إستراتيجية شاملة تم تنفيذها في عدة مسارات: الأول: إعادة بناء القوات المسلحة المصرية وفق أسس عسكرية سليمة، والثاني: خوض حرب استنزاف طويلة وصعبة تكون ميدانا حقيقيا لتدريب قواتنا المسلحة علي معركة المصير، والمسار الثالث: تكبيد إسرائيل خسائر كبيرة تجعلها تتأكد أن بقاءها في سيناء والأراضي العربية المحتلة ثمنه غال وفاتورته البشرية والتسليحية باهظة، والمسار الرابع: الاستعداد بكافة الوسائل لخوض الحرب وعبور قناة السويس وتحرير سيناء من أنياب العدو الاسرائيلي.
>>>
ومثلما كانت الهزيمة مؤلمة، جاءت وفاة الرئيس جمال عبدالناصر عام 1970 مؤلمة ايضا، ولكن لم يسقط بين يدي الرئيس الراحل أنور السادات ماذا يفعل لأنه بالفعل كان يعرف طريقه جيدا، واصل الرئيس السادات مهامه الرئاسية والقيادية بجدارة: استكمل بناء القوات المسلحة وأصر علي مواصلة التدريب القتالي العنيف لرجال الجيش، أيضا استمر في الضغط علي الاتحاد السوفيتي السابق للحصول علي أسلحة حديثة تقلل الفجوة بين أسلحتنا وأسلحة العدو الإسرائيلي، كل ذلك إلي جانب إعداد الدولة للحرب بتهيئة المستشفيات وتوفير السلع التموينية، وهنا لابد من الاشارة إلي الدور العظيم الذي لعبه الشعب المصري خلال الإعداد للحرب بتحمل الظروف الصعبة وبالتبرع للمجهود الحربي والمشاركة الميدانية في بعض العمليات العسكرية الموجهة ضد العدو من منطقة غرب القناة، والأهم: الجهود الكبيرة التي بذلها المجندون من أصحاب المؤهلات العليا والذين لعبوا دورا مؤثرا في اختيار توقيت الحرب وتطوير العمليات العسكرية بما يتلاءم مع أهداف الحرب وقدرات قواتنا المسلحة.
>>>
نأتي لعبقرية إدارة الحرب وسير العمليات التي بدأت بالتوجيه الإستراتيجي الذي وجهه الرئيس السادات إلي القوات المسلحة بإزالة الجمود العسكري ابتداء من يوم العاشر من رمضان 1393هـ السادس من اكتوبر 1973، وتكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة من الأفراد والأسلحة والمعدات والعمل علي تحرير الارض المحتلة علي مراحل متتالية حسب نمو وتطور امكانيات وقدرات القوات المسلحة، وقد كان لمرونة هذا التوجيه الإستراتيجي الأثر الكبير في تحقيق النصر وعبور قناة السويس، ووفقا للمحللين الإستراتيجيين فإن الرئيس السادات تمكن بتوجيهه لرجال القوات المسلحة من رفع عبء ثقيل عن كاهل الضباط والجنود وجعلهم يتحركون بسهولة ويسر ويحققون نتائج لم تكن متوقعة ساعد عليها عملية الخداع الإستراتيجي التي أدراها السادات بعبقرية كبيرة وتضمنت الايحاء أكثر من مرة بشن الحرب دون ان يحدث ذلك، والإعلان عن سفر بعض القادة لأداء العمرة، ثم بدء العمليات الساعة الثانية ظهراً في العاشر من شهر الصيام وهو توقيت جديد لم يتوقعه أبدا قادة جيش الاحتلال الاسرائيلي، فكانت المفاجأة وكان عبور قناة السويس والتغلب علي الساتر الترابي واقتحام خط بارليف الحصين، وكان النصر المجيد.
>>>
هذه القراءة السريعة لأعظم انتصاراتنا في التاريخ لن نمل استعراضها كل عام، وظني هنا أن استدعاء نصر العاشر من رمضان- السادس من أكتوبر، هذه الأيام لا يأتي فقط من أجل الحديث عن أمجاد الجيش المصري، ولكن لكي نذكر أعداء مصر- بمقولة الرئيس عبدالفتاح السيسى «بأن اللي يعملها مرة قادر يعملها ألف مرة»، أيضا للرد على السفير الأمريكي في تل أبيب مايك هاكابي الذي تحدث عن إسرائيل الكبري و»أن النصوص التوراتية تمنح إسرائيل الحق في أراض تمتد علي جزء كبير من الشرق الأوسط»، فهذا السفير يجب أن يعلم أن ترديد مثل هذه الأوهام في الوقت الحالي يعيد الصراع العربي الإسرائيلي إلي نقطته الأولي، وأن الخاسر الأكبر من عودة الصراع ليس العرب وإنما إسرائيل، ويكفي في هذا الصدد أن نشير إلي ان أي تهور من جانب تل أبيب سيعرض نظرية الأمن الإسرائيلي للانهيار، وأن الكيان الصهيوني سيكون بالفعل مهدداً بالفناء.









