لم استطع مواصلة الكتابة هذا الأسبوع عن القضية الفلسطينية وخطة ومجلس ترامب للسلام العالمي، فضلاً عن الملف النووى بين أمريكا وإيران، وذكرى مرور أربع سنوات على الحرب الروسية الأوكرانية وغير ذلك من القضايا المشابهة، دون أن أتوقف عند خبر رحيل الأستاذ الدكتور مفيد شهاب أحد أبرز أساتذة وخبراء القانون الدولى والمنظمات الدولية الوطنيين على مستوى العالم، والذى ارتبطت حياته الشخصية والأكاديمية والسياسية كلها فى الداخل والخارج بهذه القضايا جميعاً وبغيرها، وكان له دوره المشهود فى الدفاع عن حقوق وطنه فى قضية طابا وفى ملف حقوق الإنسان على سبيل المثال.
لقد جاء رحيله فى وقت نحن والمجتمع الدولى فى أمس الحاجة إلى وجوده وأمثاله.. فى لحظة فارقة وصفها الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو جوتيريش، فى جلسة افتتاح الاجتماع السنوى للمجلس العالمى لحقوق الإنسان بجنيف يوم الاثنين الماضي، بأنها لحظة أصبحت القوى العظمى «تدوس» على القانون الدولى وتستخدم الذكاء الاصطناعى وغيره من التقنيات لانتهاك حقوق الإنسان.
لقد ربطتنى بالدكتور مفيد شهاب علاقة صداقة ومودة، شخصية ومهنية، ممتدة منذ نهاية عقد ستينيات القرن الماضي، عبر محطات مهمة من العمل المشترك والتواصل المستمر، ولو عن بعد أحياناً، لا استطيع أن أصفه من خلالها بغير ما أجمع عليه كل من عرفوه عن قرب وتعاملوا معه، وهو أنه كان عالماً فذاً فى مجاله الأكاديمي، معززاً علمه الغزير بخبرات عملية داخل مصر وخارجها، وسياسياً وبرلمانياً قديراً شديد الولاء لوطنه والارتباط بقضاياه وخدمته وإنساناً راقياً شديد الاحترام لنفسه ولغيره بمن فيهم تلامذته، عف اللسان حتى مع من يختلف معه.
كانت أولى محطات علاقتى به، عندما كان عضواً بالأمانة العامة للاتحاد الاشتراكى العربى مسئولاً عن الشباب، رئيساً لمنظمة الشباب الاشتراكي، ولمجلس إدارة مجلة «الشباب العربي» الأسبوعية التى كانت تصدر عن المنظمة.
كان ذلك عام 1969، وكنت وقتها قد مضى على تخرجى أربع سنوات، أعمل محرراً بالإدارة العامة للمعلومات والتحرير بالهيئة العامة للاستعلامات وعضواً من الخارج بقسم الأبحاث بجريدة الجمهورية التى ارتبطت بها منذ الشهور الأولى من تخرجى بقسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد جامعة القاهرة.
كان يتولى منصب مدير تحرير مجلة «الشباب العربي» رفيق دراستى وزميل دفعتى وشريكى فى حلم العمل بالصحافة منذ الدراسة، عبداللطيف الحنفى وكان قد التحق بمنظمة الشباب منذ بدايتها حتى أصبح من كوادرها التنظيمية العليا فى مجال التثقيف السياسي، وقد التحق بعد ذلك بجريدة «الأهرام» وأصبح من كتابها البارزين وتولى منصب مدير تحرير «الأهرام المسائي» منذ تأسيسه.
طلب منى «عبداللطيف» العمل إلى جانبه فى المجلة، وقال إنه عرض اسمى على الدكتور «مفيد» الذى رحب بذلك وقال إنه يعرفنى ويقرأ ما تنشره «الجمهورية» لى من أبحاث، واتفقنا على أن أرأس قسم الشئون الخارجية بالمجلة، وأنه سيطلب من جهة عملى الهيئة العامة للاستعلامات ــ تفرغى للعمل بالمجلة.
وافقت على الفور.. وكانت هذه بداية معرفتى بالدكتور مفيد التى استمرت فى هذا المجال حتى إغلاق المجلة وحل منظمة الشباب نفسها والاتحاد الاشتراكى أيضاً بقرارات من الرئيس السادات فى أعقاب ما أسماه «ثورة التصحيح» فى 15 مايو 1971 ضد من أسماهم «مراكز القوي» بقيادة السيد «على صبري» الأمين العام للاتحاد الاشتراكى وقتها واتهمهم بمحاولة الانقلاب عليه.
وخلال هذه السنوات الثلاث، لم اشهد تدخلاً مباشراً من الدكتور مفيد فى عملنا الصحفي.. كنا مجموعة من الشباب المتحمس للعمل وكان يترك لنا حرية التعبير عن أنفسنا ويتابعنا عن بعد.. حتى عندما كلفنى بأن أتولى أعمال مدير التحرير بالإنابة عقب اختيار «عبداللطيف» للسفر إلى ألمانيا الشرقية للدراسة بمعهد الدراسات الاشتراكية فى برلين فى دورة لمدة ستة شهور، اتفقنا على الاستمرار فى إطار العمل المعتاد.
كانت المحطة الثانية فى علاقتى بالدكتور مفيد عندما تولى رئاسة لجنة الشئون العربية والخارجية والأمن القومى بمجلس الشورى خلال رئاسة الدكتور مصطفى كمال حلمى للمجلس فى نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات.
اتصل بى الدكتور مفيد، ليبلغنى أن مستشار اللجنة الدكتور محمد عبدالشفيع عيسى الأستاذ بمعهد التخطيط القومى وهو زميل دراسة لى والذى كان يعتمد عليه فى أعمال اللجنة قد طلبته الحكومة الليبية فى إعارة لمدة سنة للاستفادة بخبراته السياسية والأكاديمية، فقد كان أيضاً أحد كوادر منظمة االشباب ــ وأن منصب المستشار خال الآن، ويريدنى أن أتولى المهمة مكانه.
ووافقت دون شروط، فقد رأيتها تجربة جديدة بالنسبة لي، تتوافق مع تخصصى واهتماماتي، ولابد أنها ستضيف إليّ خبرات جديدة، ولن تعوق عملى الصحفى بـ «الجمهورية»، بل بالعكس يمكن أن تضيف إليه.
كان العالم العربى والمجتمع الدولى كله وقتها خارجاً لتوه من «محنة» الغزو العراقى لدولة الكويت وما تلاه من حرب التحرير لإجلاء جيش صدام حسين عن الأراضى الكويتية، وما أدى إليه من انعكاسات سلبية كارثية على الأمن القومى العربى خاصة مع انقسام الدول العربية وقتها إلى فريقين أحدهما مع صدام حسين والآخر إلى جانب الكويت بقيادة مصر.
اقترح الدكتور مفيد على اللجنة ــ وكنت أحضر اجتماعاتها بانتظام ــ إعداد تقرير خاص عن تأثير الغزو العراقى للكويت على الأمن القومى العربي، بعد موافقة رئيس مجلس الشورى على الفكرة، ووافقت اللجنة، وبدأنا عقد اجتماعات خاصة لإبداء الآراء والأفكار والتوجهات من كل الأعضاء حول مشروع التقرير، وكلفنى بأن أكون المسئول عن تجميع كل الآراء والأفكار ووضع «خطة بحثية» لمشروع التقرير تناقشها لجنة مصغرة برئاسته ثم أن أتولى فى النهاية صياغة التقرير البحثي.
وقد حدث، وخلال شهر واحد كان التقرير قد اكتمل وتم طباعته وصدر، واحتفت به الصحافة المصرية والعربية كأول تقرير يصدر عن هذا الموضوع فى توقيته ورصانته ونشرت ملخصات وافية له.
وشجعت التجربة الدكتور مفيد على أن يطلب إعداد تقرير آخر عن «العلاقات العربية الإفريقية» وبنفس الطريقة والمنهج.. وحدث، وقال لى وقتها إن التقرير مكتوب بقلم باحث أكاديمى لا بقلم صحفي، وأنه يفوق الكثير من الأبحاث التى تعرض عليه كأستاذ جامعي.
وخلال وجودى فى اللجنة، جاءتنى فى «الجمهورية» فرصة سفر إلى إيران لتغطية مؤتمر دعا إليه «خامنني» كل فصائل ومنظمات المقاومة الفلسطينية وأنصارها فى العالمين العربى والإسلامى والأجنبى للوقوف ضد مؤتمر مدريد للسلام الذى كان مقرراً عقده فى إسبانيا لدفع عملية السلام فى الشرق الأوسط.
وسافرت وكنت ــ صحفياً ــ من أمتع رحلاتى الخارجية، وكتبت سلسلة تحقيقات عن المؤتمر فى «الجمهورية» بعنوان: «مؤتمر الكلام.. ضد مؤتمر السلام»، حيث رأيت هناك أكبر حشد من زعماء وقادة هذه المنظمات والفصائل.. وقرأ الدكتور مفيد شهاب ما كتبت، وفوجئت به بعد عودتى يعقد اجتماعاً خاصًا للجنة للاستماع إلى إفادة مفصلة منى عن المؤتمر وتقييمى لتأثيراته المحتملة على «مؤتمر مدريد».
المحطة الثالثة كانت ممتدة، وهى علاقة الدكتور مفيد بـ «الجمهورية» فقد كنا نعتبره واحداً منا.. ففى كل عهود الإدارة المختلفة لمؤسستنا، كان الدكتور مفيد ضيفاً دائماً على مائدة حوارات الجريدة التى كان ينشرها العدد الأسبوعي، سواء عندما تولى الدكتور مفيد رئاسة جامعة القاهرة، أو وزارة التعليم العالي، أو وزارة الشئون البرلمانية.
وعندما توليت رئاسة مجلس إدارة المؤسسة عام 2005 وأنشأت أول مركز بها لدراسات الإرهاب، وأردت مع زميلى الراحل سعد هجرس الذى عينته مشرفاً على المركز عقد أول مؤتمر عام للمركز جاء الدكتور مفيد ومعه الراحل الكبير الدكتور فتحى سرور رئيس مجلس الشعب وقتها ليلقيا كلمتى افتتاح المؤتمر.
وحين حدثت أزمة بين نقابة المحامين والشرطة على خلفية مشكلة بإحدى المحاكم بين فريق المحامين وفريق حراس المحكمة واشتدت الأزمة لتنذر بتطورات تحتاج إلى استباقها، عرضت فى مقالى الأسبوعى مبادرة للحل ووجدت الدكتور مفيد يتصل بى وقتها فور صدور الجريدة ليقول لي: أستاذ محمد.. احنا دلوقت فى اجتماع بين الطرفين لمناقشة مبادرتك لحلها.
رحم الله رجلا وطنيا عاش فى قلب العمل الوطنى العام عمرا مديدا حتى رحل دون أن يطاله ما يشوب اسمه وسيرته إلا بكل خير وتقدير واحترام.









