حذر تقرير صادر عن «مجلس الأطلنطي» فى واشنطن مما وصفته، من «ما بعد الانفجار الأول»أو تداعيات» الضربة الأولي» التى قد توجهها الولايات المتحدة إلى إيران. مؤكداً على أن المعضلة أمام واشنطن اليوم ليست القدرة على تدمير الأهداف العسكرية الإيرانية، بل فى السيناريو الذى ينتظره الطرفان والمنطقة والعالم بعد ذلك. وتوقع التقرير ان طهران لن تعتبر أى هجوم عليها مجرد «عملية تقليم أظافر»، بل «تهديد وجودى للنظام»، وفى هذه الحالة سينتقل الرد الإيرانى من»الصبر الاستراتيجي» إلى «الفوضى الشاملة»، وتفعيل بروتوكول الأراضى المحروقة فى ممرات الطاقة العالمية.
وكتبت الباحثة إيما آشفورد المختصة فى شئون الصراعات الدولية، والمشاركة فى إعداد التقرير قائلة» هناك مخاوف حقيقية من انهيار» الكتلة الرمادية» فالضربة الأولى ستجبر دولاً مثل العراق ولبنان على الانخراط الكامل فى الصراع مما يحول الحرب من «أمريكية – إيرانية» إلى حرب أقليمية متعددة الجبهات تصعب السيطرة عليها. يضاف إلى ذلك بعض التقديرات المخابراتية أن ترجح ان الهجوم العسكرى سيوحد الجبهة الداخلية الإيرانية خلف الحرس الثورى مؤقتاً تحت شعار «الدفاع عن القلعة» مما يجهض أى حراك مدنى داخلى كان يأمل فى التغيير». وحذرت آشفورد من هشاشة الأسواق العالمية قائلة» بمجرد انطلاق أول صاروخ تجاه طهران سيؤدى ذلك إلى ارتفاع فورى فى أسعار النفط بنسبة تتراوح من 25 ٪ إلى 40 ٪، مع توقف مفاجيء لسلاسل التوريد القادمة من شرق آسيا عبر المحيط الهندي.
وتناول التقرير ما أسماه «الالتفاف حول العلم» ، محذراً من ان الضربة الأمريكية قد تأتى بنتائج عكسية، فبدلاً من تشجيع المتظاهرين على إسقاط النظام، سيستغل المتشددون الوضع لقمع المعارضة بحجة الدفاع عن الوطن ضد العدوان الخارجي.
فى الوقت نفسه أشارت دراسة حديثة نشرت مطلع الشهر الجارى عن معهد» تشاتام هاوس» فى لندن، تحت عنوان «إيران: 2026 ما وراء الصواريخ.. كلفة الانهيار الجيوسياسي» من أن المنطقة تعيش حالة «توازن رعب هش» فرغم ان الضربات الأمريكية ــ الإسرائيلية العام الماضى أدت إلى تدمير أجزاء واسعة من البرنامج النووى الإيراني،إلا أن طهران لم تستسلم بل انتقلت إلى استراتيجية «الانتقام الصامت المؤجل». محذراً من نموذج «الدولة الفاشلة» الذى سيحول إيران إلى «سوريا كبري» بملايين من البشر وعلى مساحة جغرافية أوسع. وتحدث التقرير عما أسماه» فخ النصر التكتيكي» مؤكداً ان الولايات المتحدة وإسرائيل قد تنجحان عسكرياً فى تدمير 70 ٪ من البنية التحتية العسكرية والنووية فى الإسبوع الأول، لكن هذا هذا النصر التكتيكى سيتحول إلى «هزيمة استراتيجية طويلة المدي» بسبب غياب» خطة اليوم التالي.
وحدد التقرير أهم المخاوف التى ستنتج عن الضربة الامريكية لطهران قائلا: «هناك خطر الدولة الفاشلة فعدد سكان إيران أكثر من 90 مليون شخص ما يجعل انهيار السلطة المركزية كارثة إنسانية. كذلك ستتحول «الأذرع» إلى «خلايا ذاتية الإدارة».. ففى حال ضرب طهران سيفقد» فيلق القدس» السيطرة على وكلائه وسيؤدى هذا إلى ظهور ميليشيا فى العراق وسوريا واليمن تعمل بشكل منفرد وانتقامي،مما يجعل التفاوض معها مستحيلاً لأنها لم تعد تتلقى أوامرها من مركز واحد.
ومن أهم المخاوف المتوقعة للضربة «عسكرة مياه الخليج» ونهاية الملاحة الحرة،إذ يعتقد خبراء المعهد إن ايران طورت تقنيات»الألغام الذكية الصامتة» التى لايمكن كشفها بسهولة، مما سيحول مياه الخليج العربى إلى منطقة محظورة للتجارة الدولية وليس فقط لناقلات النفط. يضاف كذلك المخاوف من ان يتسبب قصف مفاعل مثل» بوشهر» فى تلوث اشعاعى لمياه الخليج مما يعنى توقف محطات تحلية المياه فى دول الجوار وهى كارثة إنسانية أخري.
وقدم «تشاتام هاوس» توصية لصانعى القرار مؤكداً أنه على القوى الغربية ان تدرك ان النظام فى طهران رغم ضعفه،لازال يمسك بخيوط الأستقرار الإقليمي، والبديل عن النظام الحالى فى ظل غياب بديل مدنى لن يكون ديموقراطياً، بل «أمراء حرب» يمتلكون بقايا ترسانة صاروخية وهو «كابوس» كبير للأمن الدولي.
وقدم ويليام إف. ويكسلر المدير الأول لبرامج الشرق الأوسط فى «مجلس الأطلنطي» تحليلاً استراتيجياً يستعرض فيه البدائل الأكثر فاعلية للتعامل مع ايران. وقال» هناك عدة بدائل لاستبدال الانفجار الكبير، منها استبدال الضربة العسكرية بـ «الخنق التكنولوجي». فبدلاً من الهجمات الصاروخية التقليدية، هناك الهجمات السيبرانية الهادفة إلى تعطيل أنظمة القيادة والسيطرة ومنشآت التخصيب دون تدمير مادى يسبب تلوثاً إشعاعياً وخسائر مدنية كبيرة».
وأضاف» يمكن فرض حظر للتكنولوجيا المزدوجة» عبر تشديد الرقابة على سلاسل توريد الرقائق الالكترونية التى تصل طهران عبر طرف ثالث لإضعاف دقة صواريخها الباليستية ومسيراتها».
واكد ويكسلر على أهمية تفعيل «دبلوماسية الغرف المغلقة»،واستراتيجية «الاحتواء الذكي» للوكلاء بدلاً من ضرب طهران مباشرة. وهذا عبر تجفيف المنابع والتركيز على استهداف شبكات التمويل والتهريب فى مياه البحر الأحمر مما يضعف أذرع إيران دون حاجة لضرب «الرأس».
وبينما يتفق المركزان «الأطلنطي» و»تشاتام هاوس»، على ان الخيار العسكرى يعد الأسوأ ضد إيران،إلا أن هناك اختلافاً فى «فلسفة الردع»، فمجلس الأطلنطى يرى ان التهديد «بالضربة العسكرية» وحشد حاملات الطائرات الى المنطقة ضرورى لمنع الحرب.يرى «تشاتام هاوس» ان هذا التهديد قد يدفع إيران لضربة استباقية أو «انتحار استراتيجي»، ويتبنى سياسة» الدبلوماسية القسرية» التى توازن بين «انياب الردع»، و»جسور التفاوض».
ويرى محللو «معهد دراسات الحرب» فى واشنطن، إن الضربة الأمريكية لن تهدف إلى تدمير النظام بالكامل، بل لإيصاله لحالة «اليأس الاستراتيجي» التى تجبره على توقيع اتفاقية شاملة تتضمن الصواريخ الباليستية، محذراً من عدم إمكانية تكرار «السيناريو الخاطف» الذى نفذ فى فنزويلا نظراً للجغرافيا الإيرانية المعقدة، يضاف إلى ذلك المخاوف المتزايدة من أن تؤدى الضربة إلى «فوضى الدولة» وليس «اسقاط النظام» مما يدفع نحو موجات هجرة غير مسبوقة نحو الحدود التركية ثم أوروبا التى لا تحتمل موجات هجرة جديدة فى ظل صعود التيارات اليمينة المتطرفة. ويضاف إلى كل ما سبق المخاوف من انتشار للميليشيات المسلحة بشكل أكثر خطورة مما حدث فى العراق وسوريا.
ترامب: الدبلوماسية أفضل مع طهران
ألقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، صباح أمس، خطاباً مطولاً في مبنى الكابيتول أشاد فيه بحصيلة عمله العام الماضي، من دون أن يعلن عن أي قرار كبير أو يظهر أي تغيير حول القضايا التي تثير اعتراضاً متزايداً بين الأمريكيين.
وقال ترامب في خطاب “حال الإتحاد” هذا هو العصر الذهبي لأمريكا»، مستعرضاً أهم أنجازات ادارته منذ توليه ولايته الرئاسية الثانية، معتبراً أنها أفضل دعاية ممكنة للحزب الجمهوري، قبل الانتخابات التشريعية شديدة الأهمية المقررة في نوفمبر القادم.
وأكد ترامب خلال خطابه على إنه يفضل الدبلوماسية مع ايران، مع مواصلته توجيه الاتهامات لطهران والحديث عن استعداده لاستخدام القوة إذا فشلت المحادثات التي تبدأ اليوم في جنيف. كما اتهم ترامب إيران بمواصلة طموحاتها النووية» المشئومة» والسعي لتصنيع صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة.
وبعد ساعات قليلة على الخطاب، نفت وزارة الخارجية الإيرانية، الاتهامات الأمريكية بشأن البرنامج الصاروخي ووصفتها بأنها «أكاذيب كبرى».
الخارجية الإيرانية: الاتفاق مع أمريكا بات وشيكًا
قال وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجي، إن إيران ستستأنف المفاوضات مع الولايات المتحدة فى جينيف استنادا إلى التفاهمات التى تم التوصل إليها فى الجولة السابقة من المحادثات موضحاً أن الاتفاق بات وشيكا، لكن بشرط إعطاء الأولوية للدبلوماسية.
وأكد عراقجى – فى رسالة نشرت على منصة إكس – أن طهران تدخل هذه المحادثات بعزم على التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف فى أسرع وقت ممكن.
وقال: انطلاقا من التفاهمات التى تم التوصل إليها فى الجولة السابقة ستستأنف إيران المحادثات مع الولايات المتحدة فى جينيف بعزم على التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف فى أسرع وقت ممكن.
وأضاف: مبادئنا الأساسية واضحة وضوح الشمس: لن تطور إيران سلاحا نوويا تحت أى ظرف من الظروف ولن نتنازل نحن الإيرانيين أبدا عن حقنا فى جنى ثمار التكنولوجيا النووية السلمية لشعبنا.
وقال: لدينا فرصة تاريخية للتوصل إلى اتفاق غير مسبوق يعالج المخاوف المشتركة ويحقق المصالح المشتركة الاتفاق بات وشيكا ولكن بشرط إعطاء الأولوية للدبلوماسية.









