قبل أن يتحول قصب السكر إلى حبيبات بيضاء تسكن الحلويات، يقطع رحلة طويلة وشاقة تبدأ من أعماق الأرض، مرورًا بمحطات الجهد البشرى والتصنيع هذه الرحلة لا تُقاس فقط بما ينتج من أطنان، بل بما تحمله من تعب الفلاح وتاريخ صناعة عريقة شكلت لعقود ركيزة أساسية للاقتصاد الزراعى فى المنيا.
رحلة القصب تبدأ من الحقل، حيث اختيار الأرض الخصبة، والرى المنتظم، والعناية اليومية التى تمتد لأكثر من عام كامل.. يزرع الفلاح «العُقل» فى خطوط متوازية، ثم تبدأ دورة طويلة من الرى والتسميد ومكافحة الآفات، فى عملية زراعية مكلفة تتطلب صبرًا وجهدًا متواصلًا.. ومع حلول موسم الحصاد، تبدأ مرحلة «كسر القصب» ، وهى من أكثر المراحل مشقة وتعتمد فى جزء كبير منها على العمل اليدوى، حيث يكسر العامل عود القصب فى مشهد يتكرر آلاف المرات يوميًا، قبل أن يُجمع المحصول ويجهز للنقل عبر الجرارات وسيارات النقل، إلى جانب قطار الديكوفيل المعروف فى الصعيد بـ«وابور القصب»، الذى يشق طريقه بين الزرعات والبيوت حاملاً محصول موسم كامل من التعب والشقاء.
عند بوابات مصنع سكر أبو قرقاص، الذى مر على تأسيسه أكثر من 155 عامًا منذ عام 1869، ثانى أقدم مصنع سكر بعد مصنع الحوامدية بالجيزة..تبدأ محطة جديدة فى رحلة القصب..هنا يلتقى التاريخ بالصناعة، وتتحول أعواد القصب إلى منتج نهائى داخل واحد من أقدم صروح صناعة السكر فى مصر، فى مشهد يجسد امتداد الرحلة من الحقل إلى الشوال الأبيض.
حكاية رحلة قصب السكر كاملة، من لحظة غرسه فى التربة مرورًا بمراحل الكسر والنقل والتصنيع، وصولًا إلى مرحلة التداول، فى قصة تعب واستثمار وتاريخ تؤكد أن القصب ليس مجرد محصول، بل صناعة استراتيجية تتطلب رؤية متكاملة لضمان استدامتها والحفاظ على أحد أعرق الصروح الصناعية فى صعيد مصر.
د.شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، خلال زيارته مصنع سكر أبو قرقاص أكد حرص الوزارة تطوير صناعة السكر، ورفع كفاءة التشغيل، وضمان انتظام عمليات التوريد والإنتاج، بما يسهم فى تعزيز المخزون الاستراتيجى وتحقيق الاستقرار فى الأسواق، مؤكدًا عمل الحكومة تنفيذ خطة شاملة للنهوض بشركات السكر، تستهدف تحديث خطوط الإنتاج، ورفع جودة المنتج، وضمان توافر السكر بصورة منتظمة، وتكوين مخزون استراتيجى آمن، بما يعزز الأمن الغذائى ويحقق الاستقرار للمواطنين.
اللواء عماد كدوانى، محافظ المنيا، أعرب دعم المحافظة للمزارعين فى زراعة قصب السكر ضمن جهود الدولة لتحقيق الأمن الغذائى، مشيرًا إلى تذليل العقبات وتقديم كافة التسهيلات لضمان زيادة الإنتاج وتحقيق الاستدامة الزراعية، تماشيًا مع توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى للحفاظ على الصناعة الوطنية.
موضحا أن قصب السكر من المحاصيل الاستراتيجية بالمحافظة، حيث تبلغ المساحة المنزرعة أكثر من 24 ألف فدان، ويعمل مصنع سكر أبو قرقاص بطاقة إنتاجية 6 آلاف طن قصب يوميًا، إضافة إلى منتجات أخرى، مشددا على أهمية تشجيع المزارعين للتوسع فى الزراعة باستخدام الميكنة الحديثة والرى المتطور لتحقيق أقصى عائد من الأرض الزراعية، مؤكدًا استمرار دعم المحافظة للقطاع الزراعى ومزارعى قصب السكر لمواجهة التحديات وزيادة الإنتاج المحلى .
من جانبه أوضح النائب أحمد عبد المنعم إسماعيل، عضو مجلس الشيوخ ورئيس الجمعية التعاونية لإنتاج وتسويق المحاصيل السكرية بالمنيا، أن الجمعية تضم 5 آلاف عضو يزرعون قصب السكر والبنجر على مساحة 20 ألف فدان، مطالبًا بزيادة سعر المحصول ودعم استنباط أصناف جديدة بعد تقادم الأصناف القديمة «س 9»، مضيفا أن الجمعية تقدم خدمات متنوعة تشمل تسوية التربة بالليزر، وتوفير المعدات الزراعية والرى والأسمدة بالتقسيط وبدون فوائد.
فيما أوضح المهندس محمد أمين، وكيل وزارة زراعة المنيا، أن قصب السكر محصول استراتيجى، وتعمل المديرية على تقديم الإرشاد الزراعى والدعم الفنى للفلاحين لزيادة الإنتاجية وتحسين جودة المحصول، بما يضمن تحقيق عائد عادل للمزارع واستقرار منظومة التوريد، مضيفا أن إجمالى المساحة المنزرعة بالقصب 24 ألفًا و386 فدانًا، موزعة بين الأراضى القديمة والصحراوية، مع التركيز على المراكز الريفية، حيث يستحوذ مركز ملوى على 13 ألفًا و272 فدانًا، يليه مركز ديرمواس بـ 6 آلاف و281 فدانًا، ثم مركز أبو قرقاص بـ 2,686 فدانًا. وأكد أمين أن إنتاجية الفدان تختلف بحسب الظروف المناخية ونوعية التربة، ويُعالج المحصول من الأمراض الفطرية والحشرة القشرية من خلال برامج تقدمها المديرية مجانًا.
أوضح المهندس محمد حيدر، رئيس قطاعات التشغيل، أن مصنع سكر أبوقرقاص، مقام على مساحة 84 فدانًا، يضم 1400 عامل دائم إلى جانب عمالة موسمية، ويعد من أعرق المصانع فى مصر والشرق الأوسط، مع خطوط إنتاج قصب السكر والبنجر، ومصنع التقطير لإنتاج الكحول الأبيض والفيناس والمولاس وثانى أكسيد الكربون والعلف الحيوانى، مضيفا أن المصنع تعاقد مع 12 ألف فدان قصب و40 ألف فدان بنجر بنظام الزراعة التعاقدية، وتبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية: 144ألف طن سكر أبيض، و40 ألف طن مولاس ، و600 طن ثانى أكسيد الكربون، و23 ألف طن فيناس مُرَّكز، و5 آلاف طن فيناس مجفف، و 29 ألف طن كحول، و56ألف طن علف حيوانى، إلى أن المصنع حصل على شهادات الجودة بما يعكس التزامه بالمعايير الدولية فى التشغيل والإنتاج.
أكد حيدر أن إدارة البحوث بالمصنع تتابع المزارعين منذ مرحلة الزرع وحتى الحصاد، مع توفير وسائل نقل المحصول مجانًا، مشيرًا إلى أن هذه التسهيلات أسهمت فى زيادة إنتاجية المزارعين، حيث بلغ سعر الطن 2500 جنيه، وشهد العام الماضى توريد 25 ألف طن قصب لإنتاج 2,500 طن سكر أبيض، بينما شهد هذا العام توريد 93 ألف و106 أطنان قصب، ومن المتوقع إنتاج 9 آلاف طن سكر أبيض، أما البنجر، فقد تم توريد مليون و13 ألف طن العام الماضى لإنتاج 130 ألفًا و648 طن سكر، يحقق الفدان من قصب السكر إنتاجية تترواح بين 35 و37 طنًا، كما يتميز المولاس الناتج بجودة عالية ويستخدم فى إنتاج الكحول الإيثيلى للطب والمطهرات ومستحضرات التجميل، متوقعًا تحقيق الاكتفاء الذاتى من إنتاج السكر خلال شهر مارس المقبل، فى ضوء الاستعداد لاستقبال محصول بنجر السكر الذى يبدأ توريده بعد أسبوعين
فيما أشار المهندس محمود توفيق محمد، مدير عام هندسة التشغيل بالمصنع، إلى أن تصنيع السكر يبدأ بدخول سيارات وعربات وابور نقل القصب إلى المصنع ووزنها، ثم تفريغها على سيور متحركة لنقلها إلى ماكينات التقطيع، وبعد ذلك يُعصر القصب لاستخلاص العصير، الذى يُنقل إلى السخانات ووحدات التبخير لتحويله إلى شراب كثيف، ثم إلى مادة لزجة تُعرف باسم «الماسكويت، ويتم فصل السكر عن الماسكويت باستخدام أجهزة الطرد المركزى، لتنتج عملية فصل السكر والمولاس، حيث يُستخدم المولاس فى إنتاج الكحول والخميرة وثانى أكسيد الكربون السائل، وبقايا القصب بعد العصر وتُعاد معالجة العصير المستخلص منها وتُستخدم لتقليل الفاقد، فى حين تُستغل البقايا الجافة كوقود لتشغيل الغلايات ووحدات توليد الكهرباء بالمصنع، وبعد فصل السكر، يتم تبريده بالهواء، وتخزينه داخل خزانات كبيرة قبل تعبئته فى جوالات وزنها 50 كيلو، وخياطتها آليًا، ثم نقلها عبر سيور متحركة لتوزيعها على التجار والمخازن.
ومن جانب آخر، يقول العمدة مصطفى عبد الله عفيفى، أحد كبار مزارعى القصب فى مركز ملوى، إن تكاليف زراعة قصب السكر مرتفعة، مشيرًا إلى أن الرى الواحدة للفدان تحتاج إلى 20 لتر سولار بسعر 350 جنيهًا، ويُعاد كل 15 يومًا فى الصيف وكل 20 يومًا فى الشتاء، أى أن الفدان يحتاج إلى 30 إلى 35 رية خلال السنة، كما يتطلب تنظيف الحشائش 3 إلى 4 مرات فى الموسم الزراعى، ويحتاج الفدان نحو 10 عمال يوميًا بأجر 200 جنيه لكل فرد، إضافة إلى حرث الأرض مرة واحدة بتكلفة حوالى 500 جنيه، وسعر التقاوى فى حالة الزراعة الأولى. ويستمر محصول القصب فى الأرض بعد الزراعة من 3 إلى 5 سنوات، مشيرا إلى مشكلة نقص السماد المقدم من الجمعيات الزراعية، حيث يتم تخصيص 12 شيكارة يوريا للفدان، بينما يحصل المزارع فعليًا على 4 إلى 7 شكائر فقط، ما يدفع البعض لشراء السماد من الخارج بسعر يصل إلى 1200 جنيه للشيكارة، أو تأجير الأرض لتجنب ارتفاع التكاليف.
قال المزارعون على سيد محمد، وحسنى محمود عبدربه، وسمير صدقى أحمد، وعبد الباقى أنور قصب السكر يمثل تعب سنة كاملة، ومرحلة الكسر هى الأصعب، لكنها تحدد المكسب أو الخسارة» وطالبا باستبدال شتلات «العقل» بصنف جديد بديل عن «س 9» المستخدم منذ أكثر من 25 سنة، نظرًا لأن العقرة طولت فى الأرض وأصبحت غير قابلة للإنتاج بنفس الكفاءة، حيث تراجعت الإنتاجية بشكل ملحوظ، مطالبين بصنف جديد يزيد من العائد الزراعى.
وأكد حسين أبو صدام نقيب عام الفلاحين أن زراعة قصب السكر تواجه عدة تحديات، أبرزها طول مدة بقاء المحصول فى الأرض والتى تمتد لنحو عام كامل، بالإضافة إلى اتجاه بعض المزارعين لبيع المحصول قائمًا على الأرض لأصحاب العصارات ومحال العصير، ما أسهم فى تراجع المساحات المنزرعة. وأوضحا أن ارتفاع تكاليف الزراعة والخدمة يزيد الضغط على المزارعين ويستدعى تحديث الأصناف الزراعية لضمان إنتاجية أفضل وتحقيق عائد مناسب
هنا تنتهى رحلة بدأت من بذرة صغيرة فى الأرض، وانتهت بمنتج أساسى على مائدة كل بيت.









