تربت أجيالنا على ثقافة العصر الذهبى مع الرعيل الأول للإذاعة والتلفزيون، وبرامج وفنون ومسابقات، وارتبطنا بعمالقة من الكُتاب والمؤلفين والمذيعين الأكفاء، أصحاب الفكر الراقى المستنير العميق، الذى يبنى الإنسان بحق ويفتح أمام الشباب أبواب الأمل والطموح، فكان كل المبدعين قدوة لنا كلهم ونجوما زاهرة فى سماء الإبداع، حفظنا أسماءهم وكانت أصواتهم علامات أو ماركات مسجلة، يعرفهم الجمهور من دون أن تُذكر أسماؤهم.
لا تجد فى تلك الحقبة برنامجًا «تافها» ولا ضعيفا، ولا من قبيل «الحشو» لملء فراغ الوقت، بل كلها مع اختلاف وتنوع موضوعاتها، تحلق عاليا فى القمة بفكر رفيع وفوائد كثيرة.
وكما تغيرت أشياء كثيرة فى حياتنا ومع التطور العام سياسيا واقتصاديا وعالميا، ومع انتشار الفضائيات، لم نجد تلك «الجودة» أو لم تستمر معها رغم كثرة القنوات التى أصبحت أكثر من الهم على القلب، وتحول معظم البرامج إلى مناقشة سفاسف الأمور وتوافه القضايا التى تغّيب العقل وتشغل الناس بأشخاص نكرات صنعوا منها نجوما وفرضوها على الجمهور، ولعبوا فى عقول الشباب ليجعلوا قدوتهم من الفشلة، ولا أقصد بالطبع كل البرامج، فمنها ما هو مفيد وجاد، لكنه قليل تاه فى زحام الغث والرخيص.
وفى وسط العتمة والليل البهيم، جاء شعاع نور، درة تاج البرامج، الذى قوبل بالإجماع بالترحيب والتهليل، وهو برناج «دولة التلاوة»، ليؤكد بحق مقولة «أن القرآن الكريم قرئ فى مصر»، يقدم حناجر ذهبية جديدة أو يستكشفها ويظهر تلك النفائس ويستخرجها ليتعرف عليها الناس ويستفيدوا منها، ويقدم نماذج متنوعة من البلابل الصادحة من مختلف الأعمار وخاصة الصغار الذين خطفوا العقول والقلوب بحلاوة أصواتهم وإجادتهم للأحكام وثقتهم فى أنفسهم وهم يتلون كلام الله المعجز.
ولنتذكر أن الذين كانوا يقدمون الفن الهابط وأفلام المقاولات ومشاهد العنف والبلطجة والإجرام، كانوا يبررون ذلك بمقولة «الجمهور عاوز كدا»، لكن فى الحقيقة كشف برنامج دولة التلاوة زيف إدعائهم وأنهم مضللون، وأن الجمهور يريد مثل هذا البرنامج الهادف الذى يجدد الحياة مع القرآن الكريم، ويحيى التلاوة التى تخاطب القلب والعقل والأذن، بأداء منضبط بالأحكام، ويفعل أثر القرآن فى البيت والمدرسة والمجتمع، فيكون هؤلاء النجوم أسوة وقدوة لغيرهم، بالمنافسة الراقية التى لا خاسر فيها، بل الجميع رابحون من المتسابقين وحتى الجمهور المستمع المتابع.
وقد وجدنا فوائد البرنامج سريعة، وقطفنا من ثماره الناضجة، عندما أحيا نجوم «دولة التلاوة»، صلاة التراويح فى هذا الشهر المبارك بعدد من المساجد الكبري، وسط حضور كثيف من المصلين، فى أجواء روحانيات الشهر الكريم، يستمتعون بالحناجر التى تغرد بآيات الذكر الحكيم التى ترق بها القلوب وتخشع لها الجوارح.
إن «دولة التلاوة»، يقدم جيلا جديدا يتلو كتاب الله، يمتع الأذان بكلام ربنا المعجز، وننتظر الحلقة الأخيرة من هذه الرحلة الإيمانية التى امتدت لعدة اشهر، وشهدت تفاعلاً جماهيرياً غير مسبوق، مع المتسابقين الذين كانوا كلهم فرسانا يستحقون الفوز وفى الحقيقة كلهم فائزون مع إقامة الاحتفالية الكبرى فى ليلة القدر، كما أعلن الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، الذى يستحق الإشادة والتحية والتقدير على فكرة البرنامج الذى يعتبر مشروعا قوميًا ودينيًا يكتشف المواهب الشابة.
ومن الأخبار السارة أن البرنامج سيستمر ويتسع، بعد هذه التجربة الأولى التى يمكن أن يقال إنها أكثر من ناجحة، فهذه هى البرامج التى يحتاجها الفرد والأسرة والمجتمع، ونتمنى فى الدورات القادمة أن يتم تقسيم المتسابقين إلى فئات عمرية للعدالة والإنصاف بينهم، وأن من يصل إلى المراحل والتصفيات الأخيرة يكون لهم نصيب من الجوائز.
ولا يفوتنى ونحن فى هذا المقام أن أذكر أنه من البرامج الجيدة والتى تستحق الإشادة برنامج «العباقرة» للروائى عصام يوسف والذى قدم منه أكثر من 40 موسما وأكثر من 1000 حلقة منذ سبتمبر 2016، كبرنامج مسابقات لطلاب المدارس من المتفوقين، ويساهم فى تطوير التعليم، ثم شمل الجامعات والعائلات وقادرون باختلاف لذوى الهمم، وحقق نجاحا كبيرا.









