من حكمة الله سبحانه وتعالى أن فاضل بين خلقه زماناً ومكاناً وفضل بعض الأزمنة على بعض، ففضل فى الأزمنة شهر رمضان على سائر الشهور، فهو كالشمس بين الكواكب واختص هذا الشهر بفضائل عظيمة ومزايا كبيرة، فهو الشهر الذى أنزل فيه القرآن وهو الشهر الذى فرض الله صيامه.. وهو شهر التوبة والمغفرة وتكفير الذنوب، من صامه وقامه إيماناً بموعود الله واحتساباً للأجر والثواب عند الله غفر له ما تقدم من ذنبه. وتفتح فيه أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران وتصفد الشياطين.
هو شهر الصبر والدعاء والجود والإحسان والكرم وليلة القدر التى هى خير من ألف شهر.. شهر تتضاعف فيه الحسنات وتفتح أبواب الخير.. شهر تتبدل فيه الأحوال وتسمو فيه الأرواح وتقترب فيه القلوب من بارئها.
> > >
الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب بل هو تدريب عملى يومى على أن يقود الإنسان نفسه لا أن تقوده رغباته وشهواته، فعندما يجوع الصائم ويمتنع عن الطعام والشراب فهو يعلن أن إرادته أقوى من شهوته، ولهذا قال الله تعالى «يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» فربط سبحانه وتعالى الصيام بالتقوى والتقوى فى جوهرها حالة من اليقظة الدائمة.
إن أصل كل خير فى حياة الإنسان هو الصبر.. بالصبر يترك المعصية، وبالصبر على الجوع والعطش تتحقق الفائدة، ولذلك تكرر ذكر الصبر فى القرآن مقروناً بالمعية الإلهية «إن الله مع الصابرين» والصيام هو أعظم ميدان لهذا التدريب هو لا يضبط المعدة فقط بل يضبط اللسان ويكبح الغضب.. قال «صلى الله عليه وسلم»: «الصيام جنة» أى وقاية وحماية.
> > >
قال «صلى الله عليه وسلم»: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضى عنه دينا أو تطرد عنه جوعاً ولأن أمشى مع المسلم فى حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف فى المسجد – يعنى مسجد المدينة شهراً – ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظاً ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة ومن مشى مع أخيه المسلم فى حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام وأن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل».
هذا الحديث العظيم يختصر رسالة الإسلام فى نفع الخلق وإغاثة الملهوف وحُسن الخلق حتى جعل السعى فى قضاء حوائج الناس أحب من الاعتكاف الطويل فى خير مساجد الدنيا وهو مسجد رسول الله «صلى الله عليه وسلم» حيث الصلاة فيه بألف صلاة وبداخله روضة من رياض الجنة ومع ذلك فقضاء الحاجات والسعى فيها أفضل وأعظم وهذا ما يحتاجه الشرع من المسلمين أن يتراحموا فيما بينهم وأن يحرصوا على الخير حتى يعم الخير والتكافل كل المجتمع.
ولذلك جاء رمضان لتصوم الجوارح وتصفوا الروح ويتكافل المجتمع فيتحول الصيام من عادة موسمية إلى حالة دائمة ومن عبادة فردية إلى خُلق جماعى تُبنى به أمة متراحمة.. متعاونة.. زكية القلوب.. قوية بوحدتها.. قريبة من الله.
> > >
>> خلاصة الكلام:
عندما تصوم الجوارح عن الغيبة والنميمة والنظر إلى المحرمات وكل الموبقات تتحقق الفائدة من الصيام «التقوي» ويعم الخير وتكثر البركة.
رمضان ليس فقط شهر عبادة بل شهر تدريب مكثف على أعظم مهارة يحتاجها الإنسان أن يقود نفسه فإذا خرجنا من الصيام وقد تعلمنا كيف نتحكم فى رغباتنا وكيف نثبت أمام اندفاعاتنا وكيف نصبر على ما نكره طلباً لما نرجو فقد بدأ فينا بناء جديد لا يرى فى المظاهر لكنه يظهر فى السلوك والقرار والاختيار.
> اللهم اجعله شهر خير وبركة وأمن وسلام واستقرار على مصرنا العزيزة وسائر بلاد المسلمين.. اللهم آمين.. اللهم آمين.
>> من الحياة:
ليس الفخر أن تقهر قوياً.. بل أن تنصف ضعيفاً.









