أخذتنى الرهبة وسألت الله الثبات.. وبعدما ذقت الجمال تمنيت
أن الصلاة تطول
أردت دخول كلية القرآن الكريم لكن والدى نصحنى بالجمع بين الدين والدنيا
وكيل الأزهر نصحنى أن أجعل صوتى للقرآن وأن أسير معه بقلبى
حوار: سمر عادل
محراب الأزهر العريق الذى شهد قرونًا من العلم والعبادة، بدأ يقف فيه شباب يتمتعون بقوة العلم وعزيمة المعرفة.. ومع أولى ليالى التراويح وقف الطالب محمد عبد النبى جادو فى الفرقة الأولى بكلية الطب، ولكن صوته يحمل سكينة العلماء، وقلبه طموح الأطباء.. وبين جنبات الجامع الأزهرحيث تتعانق المآذن مع صفحات التاريخ، يصدح الطالب محمد جادو إمامًا للقبلة، فى مشهدٍ يجمع بين خشوع العبادة ودقة العلم.
جادو يعتبر نموذجًا لجيلٍ لا يرى تعارضًا بين الدين والدنيا، بل يؤمن أن الطب رسالة رحمة، والإمامة أمانة هداية، يقف جادو فى محراب الأزهر ثابت الخطى، ثم يمضى إلى قاعات الطب بعينٍ لا تعرف إلا الاجتهاد.
«الجمهورية» تقترب من تجربة شابٍ اختار الجمع بين محراب الصلاة ومدرجات الطب، لنسأله عن كيفية صنع الموازنة بين صوتٍ يؤم المصلين، ويدٍ تستعد لإنقاذ الأرواح؟ وكيف يرى رسالته بين العلمين، علم الأبدان وعلم الإيمان.
< كيف جاءت البداية فى حفظ القرآن الكريم؟
<< أنتمى لبيت قرآن ووالدى إمام وخطيب، ووالدتى خريجة ليسانس دعوة إسلامية، مما ساعدنى فى توفير كُتَّاب منزلي، فكنت أحفظ القرآن على يدى الوالدين، ثم أذهب إلى كُتَّاب القرية مع أقراني، وختمت القرآن الكريم فى سن 11عامًا ثم انتقلت للتعلم على يد المشايخ بحيث تكون الاستفادة أكبر وتعلمت أصول التجويد والقراءات، وكانت مرحلة التعلم على يد أكثر من شيخ، فكلما زاد عدد المشايخ زاد العلم.
< ما هى أبرز الصعوبات التى واجهتكم فى رحلة تعلم القرآن؟
<< تربيت أنه لا يصح أن يكون أحد أحفظ منى للقرآن الكريم، فلو غفلت قليلا وجاء موعد الكُتَّاب وسبقنى إليه أحد قامت الدنيا ولم تقعد، وقد كنا نبكى كثيرا، لكن التعب يزول مع الفرحة.
< حدثنا عن احتفاء الأزهر بك كأول طالب يؤم المسلمين فى التراويح؟
<< بعد الصلاة وجلوسى مع الدكتور محمد الضوينى وكيل الأزهر والشيخ حسن عبد النبى ومديرى الجامع الأزهر، كنت فى قمة الفرح، فمن المقرر أن يقدم الأزهر للإمامة أكثر من شاب واختيارى أول هؤلاء الشباب كان بمثابة التعويض عن تعب السنين، ولم أكن اتوقعه حتى قبلها بيوم لم يأت بذهنى أننى سوف أتقدم لإمامة القِبْلة فى الجامع الأزهر، حتى أبلغونى أننى سوف أقابل الشيخ حسن عبد النبى فى الجامع وتوجهت من الـ 9 صباحًا ولم أتأكد أن التاريخ سيكتب أن هذا اليوم وتلك اللحظة هى تاريخ ميلادى الحقيقي، ومع الساعة الرابعة عصرا كان شريط الذكريات يجرى أمام عينى منذ كنت طفلا صغيرا فى القرية حتى تلك اللحظة التى ينتظرنى فيها أسرتى وأهلى حتى أننى لم أتذكر أننى تناولت طعام الإفطار أم لا، لأن الموقف به رهبة، رغم أن الأزهر أعد لنا دورات تدريبية وكل المتقدمين يحفظون القرآن ويتقنون القراءات العشر.
< كيف وصلت إلى هذا المستوى؟
<< اجتزنا امتحان القرآن ثم امتحان القراءات وتم عرضنا على لجنة برئاسة الدكتور محمد الضوينى ولجنة من الإذاعة إضافة إلى لجنة مراجعة المصحف، وبعدما تم اختيار عدد من المتقدمين وتم إعداد دورة مدة 7 لمدة أيام فى علم التجويد إضافة إلى علم القراءات، وقام بالتدريس فيها أساتذة من المعاهدالأزهرية إضافة إلى لجنة فى علم الفقه، واختتمت الدورة بالدكتور طه الاسكندرانى فى علم المقامات رغم أن الأزهر يرفض فكرة استخدام المقامات الموسيقية فى التلاوة، لكننا ندرسها كنوع من التجميل والتزيين، وقد قمنا بالصلاة فى مساجد تابعة للأزهر تم افتتاحها قريبا مثل مسجد المظلات لإتاحة الفرصة للشباب لإزالة الرهبة.
< ما سر تميزكم فى الخطابة؟
<< التحقت بمسابقات الخطابة الخاصة بالمعاهد الأزهرية وأحرزت تفوقا فيها منذ صغري؛ فقد كرمت من المحافظ وحصلت على المركز الثانى على مستوى المحافظة وهذا يرجع لأن والدى خطيب بالإضافة إلى أن أهل الريف يحبون الخطابة والاستماع للمشايخ المفوهة.
< ما هى فى رأيك مواصفات الخطيب المميز؟
<<أن يمتلك الأدب مع الله وأن يدرك أن كل كلمة يقولها ستكون شاهدة عليه يوم القيامة، وأن يحفظ حق وطنه فلا يغالى ولا يسرف، فالأدب مع الله يتبعه أدب فى كل شىء.
< ما هى طموحاتك؟
<< أن يكرمنى الله فى الارتقاء فى التعلم وأن ألتقى فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب شيخ الأزهر، فمقابلته أعظم تكريم.
< هل فكرت فى الالتحاق بالطب أم كنت تنوى دخول كلية أخرى؟
<< عقب حصولى على الثانوية العامة الأزهرية بمجموع 98 ٪ طلبت من والدى الالتحاق بكلية القرآن الكريم، ولكن تقديرا لرغبة الوالدين توجهت إلى كلية الطب، خاصة أن والدى نصحنى بإمكانية الجمع بين الدين والدنيا طالما أننى حريص على الدين، وعندما تم الإعلان فى جامعة الأزهر منذ 6 أشهر عن طلب مشايخ للجامع الأزهر تقدمت فوراً لتحقيق حلمى حتى أكون امتدادا لأئمة الأزهر العظام ومن الشروط أن يكون حافظا للقرآن والقراءات، وتم التواصل معى بعد فترة وقمت بأداء اختبارات القرآن والقراءات والسمات الشخصية، وقبل بداية شهر رمضان بأسبوعين حصلنا على دورة تدريبية وكنا نذهب فيها من الثامنة صباحاً حتى العاشرة مساء وذلك تأهيلاً للإمامة، وقتها شعرت بسعادة غامرة وفخر وفرح وأن حلمى بالإمامة فى المسجد الأزهر قد تحقق، وذهبت إلى الشيخ حسن وقمت بالمراجعة معه من الثامنة صباحًا وأحسست أن هذا امتحان من الله بأن منحنى هذه الفرصة، وأذكر أننى عندما انتابنى شعور الرهبة وضع الله فى قلبى السكينة مع أول آية قرأتها فى الصلاة «ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا»، وأثناء أدائى آخر ركعة فى التراويح أحسست أننى فى نعمة وفضل من الله وبكيت لأنى شعرت أن حلمى الكبير قد تحقق، وشعرت بالفرح لأننى أصلى إماما فى الأزهر والخوف من ألا أكون على قدر المسئولية.. كنت أتمنى أن أستمر فى أداء الصلاة ولا أختمها، وكنت أتمنى عقب انتهاء الصلاة أن يكون والدى ووالدتى بجوارى ليشاركونى سعادتي، وعندما دخلت لفضيلة الدكتور الضوينى وكيل الأزهر عقب انتهاء الصلاة أثنى على أدائى وقال جملة لا تزال عالقة بذهنى: « أنت جميل وصلاتك جيدة وأحكامك مُتقنة وعليك أن تُسَخِّر صوتك للقرآن ولا تُسَخِّر القرآن لصوتك « وأن تستشعر الآيات، وسألنى هل تعلم المقامات فكانت الإجابة لا، وطالبنى أن يكون قلبى سائرا فى القرآن .
< هل استفدت من دراسة الطب فى علوم القرآن؟
<< الصواب أننى استفدت من القرآن فى علوم الطب، وإن كان يقينى أن العلم المعرفى يتكامل فى البناء العقلى والخشوع والإخلاص والإتقان، فكما أن الإمام فى القبلة يقود مجموعة فى مسيرة النجاة والرغبة فى الوصول الروحي، فكذلك الطبيب عندما يقوم بعملية جراحية فإنه يقوم على فريق من الناس هدفهم الوصول إلى النجاح فى مسيرتهم لتحقيق الفوز بحياة المريض، واذكر عندما أحضر درس الفسيولوجى للدكتور ناجى إسكندر أجده يقول: إن وراء كل خَلْقٍ خالقا وكل كلمة فى الطب تدعو للتأمل فى الخالق، ولذلك أصبح القرآن أنيسى وجليسى وأثناء تنقلى من المنزل إلى الجامعة أو الجامع أو المستشفى أراجع 4 أجزاء من القرآن فى الذهاب و4 مثلها فى العودة.









