بينَ حنايا المحروسة، ثمة جدران تتوضأُ بنور الصالحين ولا ترحل معهم.. تغادر صمتها لتصير شفاهًا تتمتم بالصلوات، ففى قلب القاهرة، يتربع مشهد يفيض رقةً وجلالاً.. مشهد السيدة رقية، روضة من رياض النبوة يتفيأ ظلالها المتعبون من ضجيجِ الدنيا.. يستنشقون عبق الإيمان.. مكان صاغتهُ المحبة، وشيدته الأشواق، ليظل شاهدًا على أن الرابطة بينَ مصر وآل البيتِ هى دماء تجرى فى عروق المدينة، تمنحها سر البقاء والسكينة.
ويقع المسجد فى بقعة اصطفاها القدر لتكون مجمعًا للأولياء، فى شارع الأشراف، فى حى الخليفة، ملاصقًا للجانب الشمالى الغربى من مسجدِ أحمد بن طولون، ليتوسط المسافة بين مشهدِ السيدة سكينة ومشهد السيدة نفيسة، مشكلاً حلقة وصل فى هذا المسار النورانى الذى يقطعهُ المحبون سيرًا على الأقدام، التماسًا للبركة واستشعارًا لروحانية الأسلاف.. «ومشهد السيدة رقية، بنت أبنة أمير المؤمنين على بن أبى طالب -رضى الله عنه- مشهد عظيم عامر، وبابه يعلوه عقد مقرنص، وفيه قبة مرتفعة، ومحراب هو غاية فى الحسن، والناس يتقربون بزيارتها والدعاء عندها، مُجَرَّبٌ للإجابة وكشف الكربة». كما ذكره على باشا مبارك فى كتابه «الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبقاعها القديمة والشهيرة.
تعود حكاية هذا الصرح الفريد إلى أواخر العصرِ الفاطمي، وتحديدًا «عام 1132 ميلادية، 526 من الهجرة»، حيث أولى الخليفة الفاطمى «الحافظ لدين الله»، هذا المكان، عناية خاصة، ويقال إن الخليفة رأى منامًا، أو نذر نذرًا بإنشاء مقام يليق بابنة على بن أبى طالب، فأمر أمهر البنائين والنقاشين أن يفرغوا وسعهم فى تشييد المسجد، ليكون رسالة مودة من الدولةِ الفاطمية إلى آل البيت، فخرجَ المشهد تحفة فنية نادرة، حملت اسم مسجد الأندلس حينئذ، وفى عام 533 من الهجرة، تجلت يد الرعاية من قصر الخلافة مرة أخري، حين أصدرت السيدة «علم الآمرية» ـ زوجة الخليفة الآمر بأحكام الله ـ أمرها بتشييدِ المشهد، ليكون عقدًا يزين جيد المكان.
عندما تقف أمام مسجد السيدة رقية، فأنت أمام «متحف مصغر» لفنون العمارة الإسلامية الدقيقة، إذ يستقبلك المدخل برواقٍ مستطيل، يتوسطه محراب جصى دقيق، وعلى الجانبين حنيتان تضفيان توازنًا بصريًا مدهشًا.. ترفع بصرك لترى القبة، فلا تجدها ملساء كالمعتاد، وإنما «مضلعة»، تنساب خطوطها كأشعة الشمس، تتخللها فتحات تسمح للنور أن يغازل الضريح فى الأسفل.
> فى الداخل، يقف المحراب كمعجزة فنية، لوحة معقدة من الزخارف النباتية والهندسية.. تتداخل فيه أشكال المحار، وتحيطُ به هالة من الكتابات الكوفية التى تشتمل على بعض آيات الذكر الحكيم، ويتوسطُ القبة التابوت الخشبى المطعم، الذى يحيطُ به سور نحاسي، حيث يقف الزائرون لقراءةِ الفاتحة، فتختلط دموع الخشوع بجمال المكان.
والسيدة رقية بنت على بن أبى طالب، باب مدينة العلم، وأمها ـ على أرجحِ الروايات ـ هى السيدة «الصهباء» التغلبية، ما يجعلها أختًا لسيدنا عمر بن علي.
عاشت هذه السيدة الجليلة فى كنف الطهر، وشهدت تقلبات الزمن بأهل البيت، فكانت مثالاً للجلد والعبادة، ورغمَ تباين الروايات التاريخية حول رحلتها، إلا أن الوجدان المصري، المدعومَ ببعض الروايات المأثورة، يؤمن بأنها وفدت إلى مصر مع من وفد من آل البيت عقب المحن التى ألمت بهم، لتجد فى قلوب أهل مصر وطنًا، وفى أرضها مستقرًا.









