فى أحد شوارع القاهرة القديمة، تتوقف عربة خشبية صغيرة يعلوها بخار الفول الساخن، وبجوارها قدر كبير للبليلة تفوح منه رائحة جميلة يقف خلف العربة رجل ستينى بوجه يحمل ملامح السنين، وابتسامة لا تفارقه رغم مشقة العمل إنه عم عبدالعزيز الهوارى 65 عامًا أحد أقدم بائعى الفول والبليلة المتجولين فى الحلمية القديمة، الذى قضى أكثر من نصف قرن يدفع عربته بين الأزقة والشوارع.
على مقعد خشبى صغير بجوار عربته، بدأيكشف لنا الكثير من أسرار المهنة، وحكايات الزمن الجميل، ومواقف إنسانية لا تُنسي، خاصة فى شهر رمضان.
بابتسامة هادئة بدأ يحكى قصة بداية عمله وقال: «ورثت هذه المهنة عن أبى حيث كان يبيع الفول على عربية بحمار وكنت اساعده وعمرى 8 سنوات، كنت اصحى معه قبل الفجر وننزل السوق نشترى الفول والبليلة، ومع الوقت تعلمت الصنعة واستقليت بنفسى وامتلكت تلك العربة حينها لم يكن التعليم فى المدارس كثيراً بل كان قاصراً على الأغنياء، وكان يجب ان نعمل لكى نجد لقمة العيش.»
سر الصنعة
كشف لنا عم هوارى عن سر تمسك الكثير من الناس بفول العربات مؤكدا على أن ذلك يرجع إلى طريقة تسوية الفول حيث لم يكن فى الماضى وسائل الطهى الحديثة متوفرة كما هى اليوم، ولم تكن اوعية التى تعمل بالضغط أو أسطوانات الغاز قد انتشرت، لذلك ابتكر المصريون طرقًا بسيطة واقتصادية لتسوية الفول وأشهرها هذه الطرق ما كان يُعرف بـ «الأفران العامة»، وهى أماكن مخصصة لإشعال النار طوال الليل باستخدام الحطب أو الفحم. وكان توقد بجوار الحمامات العامة، وكان بائعو الفول وأصحاب البيوت يذهبون بأوانى الفول فى القدر النحاسى الكبيرة إلى تلك المحارق فى المساء، ويتركونها على نار هادئة حتى الصباح، حيث يتولى العاملون فى هذه الافران مراقبة النار مقابل أجر بسيط، مما جعل هذه الطريقة وسيلة رخيصة وفعالة لتسوية الفول دون الحاجة إلى وقود مكلف. وكانت هذه العملية تمنح الفول نكهة مميزة وقوامًا متماسكًا، حيث يتم تسويته ببطء شديد، وهو ما يراه كثيرون سببًا رئيسيًا فى اختلاف طعم «فول زمان» عن فول اليوم.
ومع تطور الحياة ودخول أسطوانات الغاز والأجهزة الحديثة، اختفت الافران تدريجيًا، وأصبحت عملية التسوية تتم داخل المنازل أو المطاعم باستخدام أوانى الضغط، مما قلل من زمن الطهى لكنه غيّر من الطابع التقليدى للطعم الذى ارتبط بذاكرة المصريين لسنوات طويلة
وتابع عم هوارى حديثه وهو يقلب حبات الفول فى القدر مؤكداً أن الطريقة القديمة أحلى فى الطعم لكن الجديد أسهل وأوفر فى الوقت. لو اشتغلت بالطريقة القديمة الآن لتعبت كثيراً ولما لحقت باحتياجات السوق.
وعن ارتباطه بزبائنه قال: «عندى زبائن منذ 30 و40 سنة بيشتروا منى يومياً.. ورأيهم فى الفول العربة لا يتغير مؤكدون لى أن طعم الفول عندى مختلف ومميز ، والذى يرجع سببه على انه يطهى على نار هادئة ولا نستعجل على تسويته ولا نضيف عليه اى مواد كيميائية كما يضع الكثير من المحلات».
ويستكمل: «المطاعم كثر عددها بالفعل ولكن يوجد كثير من الناس يحبون شراء الفول من على عربة الفول، يحبون الوقوف معى والتحدث إلى ويشاهدون الفول فى القدرة وهذااوجد علاقة وارتباطاً جميلاً بينى وبين زبائنى حيث أعرف 90٪ منهم بالاسم، وأحيانًا بحاسبهم على قدر وضعهم المادى ودايمًا اضيف لهم زيادة من غير ما يطلبون ، كما انه معروف عنى انى لا أزيد فى السعر الا فى الضرورة القصوي، بل إنه يوجد الكثير من الزبائن لا أخذ مقابل الفول إذا احسست بان الزبون ليس معه فلوس. اما المطاعم فلا يكون عندها هذا الحس بسبب كثرة العمال بها وأنهم يتعاملون بشكل تجارى بحت .»
نظام العمل فى رمضان دائماً ما يكون مختلفاً وهذا ما أكده عم هوارى فقال: «أعمل فى الأيام العادية من الفجر إلى الظهر، وأحيانًا إلى العصرلكن فى رمضان ابدأ العمل من بعد العصر واظل اعمل حتى قبل الفجر. الناس بتشترى فول وبليلة على السحور، وكثيراً من الناس الذى يشترون البليلة بعد التراويح كتحلية مؤكدا أن رمضان موسم خير، والحركة فيه أكتر من أى وقت.»
وعن المواقف الطريفة والانسانية قال عم هوارى إن العمل مع الناس بشكل مباشر دائماً ما يضعك فى مواقف انسانية كثيرة ومنها وجود كثير من الناس البسطاء الذين قد لا يملكون قوت يومهم وعندما أعلم بذلك أقوم بتقديم لهم وجبات ثابتة لوجه الله تعالي.. ومن جمال هذا الشهر الكريم علاقة الود بين الناس فكثيرا ما اتأخر فى العمل حتى وقت الافطار لأجد زبائنى الذين يشترون الفول يقدمون لى الافطار من لحم أو دجاج ووقتها يقابل هذا الموقف بكثير من الضحك ويقولون لى «الفول مقابل اللحم».. فما أكرم هذا الشهر.
ومن ضمن الأشياء التى لا تنسى فى حياتى قصة الطفل الصغير الذى كان واقفاً يتابعنى ورأيته ينظر إلى البليلة ولكن لايستطيع شراءها لعدم تواجد المال معه وعندما لاحظت ذلك اعطيته طبقاً صغيراً ونسيت القصة تماماً لأجد بعد عشر سنوات بشاب جاء لى بهدية وظل يذكرنى بنفسه وأكد انه لم ينس ذلك الموقف وأن هذه الهدية هى من أول مرتب حصل عليه وقد أثر ذلك فى نفسى كثيراً .









