فى مشهد يعكس عراقتها الأكاديمية ومكانتها الراسخة كإحدى أعرق المؤسسات التعليمية فى العالم العربي، أثبتت جامعة القاهرة مجددا قدرتها على قيادة الحوار القانونى والفكرى فى القضايا الاستراتيجية التى تمس الاقتصاد الوطنى ومستقبل الاستثمار. فقد نجحت الجامعة باحترافية لافتة فى تنظيم مؤتمر «التحكيم فى عقود الاستثمار.. تطبيقات فى مجالات عقود الإنشاءات الدولية وعقود البترول والغاز»، الذى أقيم تحت رعاية رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولى، وسط تنظيم محكم ومشاركة رفيعة المستوى من نخبة الخبراء القانونيين والمتخصصين فى عقود الإنشاءات والطاقة والاستثمار، إلى جانب ممثلين عن مراكز تحكيم إقليمية ودولية. وجاء المؤتمر ليؤكد أن جامعة القاهرة ليست مجرد صرح أكاديمى عريق بل منصة وطنية لإنتاج رؤى تطبيقية تسهم فى تطوير البيئة التشريعية والمؤسسية، حيث ناقش المشاركون أحدث التحديات العملية المرتبطة بالتحكيم وانتهوا إلى حزمة متكاملة من التوصيات الهادفة إلى تعزيز كفاءة إدارة المنازعات ودعم الثقة فى مناخ الاستثمار. كما أكد الدكتور محمد سامى عبد الصادق أن التوصيات تمثل خطوة استراتيجية نحو تحديث منظومة تسوية المنازعات فى مصر والمنطقة العربية بما يعكس وعيا عميقا بطبيعة المشروعات الكبرى وتعقيداتها التعاقدية، وشددت المناقشات على أن التحكيم لم يعد مجرد وسيلة بديلة لحسم النزاع إنما تحول إلى أداة لإدارة المخاطر وتحقيق الاستقرار التعاقدى خاصة فى عقود الإنشاءات الدولية التى تتسم بالطابع المركب وطول الأجل. ومن ثم جاءت الدعوة إلى إحكام صياغة هذه العقود والنص الصريح على آليات التمديد الزمنى والتعويض المالى وإعادة التوازن الاقتصادى مع الاعتماد على النماذج العقدية الدولية الموحدة وعلى رأسها نماذج الاتحاد الدولى للمهندسين الاستشاريين (FIDIC) لما توفره من إطار متوازن يحد من النزاعات ويعزز استقرار العلاقة التعاقدية. كما أكد المؤتمر أهمية صياغة شرط التحكيم بدقة من خلال تحديد القانون الواجب التطبيق ومقر التحكيم ولغته والقواعد الإجرائية وإدراج الشروط متعددة المستويات التى تمر بمراحل تفاوض ووساطة أو مجالس فض منازعات قبل اللجوء إلى التحكيم بما يسهم فى احتواء الخلافات مبكرا. وتمت الإشارة إلى ضرورة تكريس التخصص فى منازعات الإنشاءات والطاقة وإعداد قوائم محكمين متخصصين، فضلا عن تعزيز دور مجالس فض المنازعات أثناء التنفيذ خاصة فى حالات التأخير والقوة القاهرة وتقلبات أسعار الصرف، وفى السياق المؤسسى دعا المؤتمر إلى استمرار التطوير التشريعى لمنظومة التحكيم فى مصر وتوسيع نطاق أهلية المحكمين وتعزيز فاعلية التدابير المؤقتة والتنفيذ وتوحيد الدوائر القضائية المختصة بما يعزز التكامل بين القضاء والتحكيم. كما تم التأكيد على استقلال منظمات التحكيم إداريا وماليا وترجيح لغة ذات أولوية فى الحجية والتفسير فى إطار عمل مركز القاهرة الإقليمى للتحكيم التجارى الدولى لضمان وضوح التفسير وتقليل احتمالات التضارب، وتطرقت التوصيات أيضا إلى أهمية مواكبة تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى صناعة التشييد وصياغة العقود وفض المنازعات مع التأكيد على أن التكنولوجيا تظل أداة مساعدة تعزز كفاءة العمل ولا تحل محل الخبرة البشرية.









