٤ – الصبر
أكاد أزعم أن الشعب المصرى هو أكثر شعوب العالم صبرًا، فالتاريخ، بكل ما يحمله من تقلبات وأحداث جسام، يشهد على قدرة هذا الشعب الفريدة على الاحتمال والثبات. صبر المصريين لم يكن يومًا حالة سلبية من الاستسلام، بل كان دومًا فعلاً واعيًا، مرتبطًا بإيمان عميق بالقدر، وثقة راسخة بأن بعد العسر يسرًا، وأن الفرج يولد من رحم الشدة.
>>>
عبر الحقب المتتالية، تعرّض المصريون لصور شتى من الظلم والاستعمار والغزو والأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ومع ذلك، ظلوا محتفظين بقدرتهم على التحمل، وعلى مواصلة الحياة والعمل والبناء. قد يظن الناظر بسطحية أن هذا الصبر نوع من الخضوع، أو قبول بالأمر الواقع، لكنه فى حقيقته مخزون هائل من الطاقة الكامنة، التى تنفجر صحوةً حين يحين أوانها، فتضع الأمور فى نصابها، وتعيد التوازن للمشهد.
>>>
الصبر فى الوجدان المصرى ليس ضعفًا، بل حكمة. هو إدراك عميق بأن لكل مرحلة ظروفها ومقتضياتها ، ولكل أزمة نهاية. ولذلك ارتبط الصبر عند المصريين بالإيمان، لا سيما الإيمان بالتوحيد وبالرسالات السماوية التى مجّدت الصبر واعتبرته من أسمى القيم الإنسانية. فالصبر فى المفهوم الدينى ليس مجرد احتمال للأذي، بل هو ثبات على المبدأ، ورباط على القلب، وثقة فى عدل الله وحكمته. ومن هنا، نشأ ارتباط وجدانى بين المصرى والصبر، باعتباره تعبيرًا عن إيمان حقيقى بالقدر، خيره وشره.
>>>
ولأن الصبر لا يظهر إلا فى أوقات الشدائد، فقد كانت الأزمات هى الساحة التى تجلّت فيها هذه القيمة بوضوح. فى أوقات الحروب، وفى سنوات القحط، وفى فترات التحول الكبري، تجد المصرى يتعامل مع الحدث برباطة جأش، وقدر من السخرية أحيانًا، وكأنه يروّض الألم بابتسامة، ويخفف وطأة الواقع بحكمة شعبية متوارثة. هذه الروح لم تنشأ صدفة، بل هى نتاج تراكم حضارى ممتد منذ الفراعنة وحتى اليوم.
>>>
الحضارة المصرية القديمة نفسها قامت على فكرة الاستمرارية؛ على الإيمان بأن الزمن دائرة، وأن الفيض بعد الجفاف، وأن النور يعقب الظلام. من هنا، يمكن قراءة الصبر كقيمة حضارية ضاربة فى الجذور، لا كصفة عابرة. المصرى القديم الذى انتظر فيضان النيل عامًا بعد عام، وتحمّل قسوته أحيانًا، كان يمارس نوعًا من الصبر المرتبط بالطبيعة وبالدورة الكونية للحياة. والمصرى المعاصر، وإن تغيّرت الظروف، ما زال يحمل فى داخله هذا الإيقاع العميق.
>>>
امتدت قيمة الصبر فى كل المجالات: فى الأسرة، حيث تتحمل الأم مشاق التربية، ويكافح الأب فى صمت من أجل لقمة العيش، فى العمل، حيث يواجه الموظف أو العامل تحديات يومية بروح المثابرة، وفى المجتمع، حيث تتعايش فئات متعددة فى مساحة واحدة، مستندة إلى قدر من التسامح وطول البال. وكما يقول المصريون: «الصبر مفتاح الفرج» وهى عبارة ليست مجرد مثل شائع، بل فلسفة حياة كاملة.
>>>
الأمثال الشعبية المصرية زاخرة بتمجيد الصبر، مثل قولهم: «اصبر على جار السوء» فى إشارة إلى أن الاحتمال أحيانًا أهون من النزاع، وأن الحفاظ على السلم المجتمعى قيمة عليا. وتجد عبارات مثل «الصبر جميل» مكتوبة على السيارات، وعلى الجدران، وفى المحال التجارية، وكأنها تعويذة يومية يستعين بها الناس على مواجهة أعباء الحياة. هذه العبارات البسيطة تعكس عمقًا ثقافيًا، وتؤكد أن الصبر ليس قيمة نخبوية، بل ممارسة شعبية يومية.
>>>
وللدراما المصرية دور واضح فى ترسيخ هذه القيمة وإبرازها كواحدة من أرفع القيم المصرية. كم من عمل فنى جسّد شخصية الإنسان البسيط الذى يتحمل قسوة الظروف، ويصبر على المحن، ثم ينال فى النهاية جزاء صبره. هذه الصورة المتكررة فى الوجدان الفنى ليست محض صدفة، بل هى انعكاس لواقع اجتماعى متجذر، يرى فى الصبر طريقًا للنجاة، وفضيلة تستحق الاحترام.
>>>
منذ الفراعنة وحتى اليوم، ظل الصبر خيطًا ممتدًا فى نسيج الشخصية المصرية. هو ليس دعوة للرضا بالظلم، ولا تبريرًا للمعاناة، بل قدرة على إدارة الألم، وعلى الانتظار الواعى للحظة المناسبة. لذلك، فإن الباحثين عن خصال الشعب المصرى لا يمكنهم إغفال هذه القيمة، التى شكّلت ولا تزال تشكّل أحد أعمدة الهوية المصرية.
>>>
إن الصبر فى التجربة المصرية ليس مجرد احتمال للمحنة، بل إيمان عميق بأن الحياة، مهما اشتدت، تحمل فى طياتها وعدًا بالفرج. وربما فى هذا الإيمان يكمن سرّ القوة التى أبقت هذا الشعب حيًا، متجددًا، قادرًا على النهوض بعد كل عثرة، ومواصلة السير بثبات عبر الزمن.









