مع بداية شهر رمضان لا يكون الطعام وحده هو بطل المشهد ولكن هناك مظاهر ترتبط به وهى تجمع الأسرة، ومنهم من يجتمع بعد غياب والضحكات التى تعود لتملأ البيت فى هذا الشهر، تتحول البيوت إلى مساحات دفء حقيقية تعيد ترابط أفراد الأسرة.
واكد الخبراء ان الشهر الكريم فرصة لإعادة ترميم العلاقات الأسرية التى تاهت وسط زحام الحياة وضغوطها.
ولمة الأسرة بالنسبة لعصام الدين عبدالله مهندس شبكات من أسعد الأوقات وأجملها فى رمضان بعد عناء سنة طويلة كما يقول: كل واحد فينا فى اتجاه، مدرسة ومشاوير وضغوطات حياتية تمنع تجمعنا على المائدة ولكن فى رمضان لازم نفطر سوا، وده بيخلينى احس ان البيت رجع دافى تانى وده مش فى أسرتى بس ولكن فى العائلة أيضا فكل يوم بنفطر عند حد وبيكون التجمع جميلا.
وبالرغم من ظروفه بحكم عمله بالقاهرة وأسرته فى محافظة الغربية ولكن فرحة المهندس أحمد اباصيرى تتحقق فى رمضان بقوله: فبحكم العمل تقل الزيارات العائلية وقد تصل الى مرة كل شهرين ولكن فى رمضان لابد ان نجتمع أسبوعيا على مائدة إفطار رمضان ونجدها بالفعل فرصة ذهبية للتخلص من الضغوطات والتمتع بلمة العيلة المحرومين منها طوال السنة.
ويقول تامر على «أنا ممكن ما قعدش مع أولادى غير ربع ساعة فى الأيام العادية بسبب الشغل والدروس، لكن فى رمضان بنفطر، نصلى، ونتفرج على البرامج سوا وبلاقيها فرصة جميلة علشان نتجمع».
هذا الشعور لا يخص أسرة واحدة فقط. فالكثير من المواطنين يرون أن رمضان يعيد ترتيب الأولويات تلقائيا حيث يصبح الاجتماع اليومى على مائدة واحدة طقساً ثابتاً، لا يمكن تأجيله أو الاعتذار عنه بسهولة.
وفى هذا السياق يقول الدكتور حسن الخولى استاذ علم الاجتماع بكلية البنات جامعة عين شمس: ان لمة العائلة ليست رفاهية بل صمام أمان لافرادها فتعانى المجتمعات الآن من ظاهرة التفكك الصامت فالأسرة تعيش فى منزل واحد ولكن كل فرد فى عزلة بسبب وجود تحديات كبيرة، أبرزها تسارع وتيرة الحياة والانشغال المفرط بالتكنولوجيا ولكن رمضان يمثل استثناء اجتماعيا حيث تعود الأسرة إلى نمطها الطبيعى القائم على التفاعل المباشر والتقارب.. فرمضان لديه قدسية لدى المسلمين أهم مظاهرها ان الجميع يجتمع على المائدة فى ميعاد ثابت.. رمضان يفرض إيقاعا مختلفا.. مواعيد موحدة هدف مشترك، إحساس جماعى بالمعنى الجميع صائم والجميع ينتظر الأذان، هذا التزامن الزمنى يصنع حالة من الوحدة الشعورية، نفتقدها بقية العام حين يعيش كل فرد ولكن الاجتماع اليومى، حتى لو لفترة قصيرة يخلق شبكة دعم نفسى واجتماعى داخل البيت ويقلل من الشعور بالوحدة خاصة لدى الأطفال وكبار السن.
ويشير الخولى إلى أن التحدى الحقيقى هو تحويل هذا النمط إلى سلوك دائم للحفاظ على الترابط الأسرى إذ يتطلب وعيا جماعيا بأهمية الوقت المشترك، حتى لو كان قصيراً، مثل تخصيص وجبة أسبوعية أو لقاء عائلى ثابت.. من جانبه يرى الدكتور محمد خطاب أستاذ علم النفس ان «أرسطو» يشير لأهمية الأسرة بوصفها أساس السعادة والاستقرار لأى مجتمع سليم، وهو ما يعكس ان الأسرة هى نواة المجتمع فإذا ما صلحت صلح المجتمع ككل ؛ ولذا من احد اهم اهداف حروب الجيل الرابع العمل على هدم واستقرار وتماسك الأسرة بوصفها من إحدى المؤسسات الخاصة بتنشئة الأبناء سواء من الناحية الاخلاقية أو الدينية أو المجتمعية أو القيمية ولذا فأى عملية تنموية محكوم عليها بالفشل إذا لم تهتم بالحفاظ على تماسك الأسرة واستقرارها وعدم تصدعها.. ومن المؤكد ان المشاركة فى المناسبات الاجتماعية والدينية كالأعياد وشهر رمضان الكريم تساعد على تقارب الأجيال على كافة المستويات كما تساعد على الانتماء والتفاعل الوجدانى والاجتماعى مما يعمق من قوة العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين أفراد الأسرة ككل.. ولكن وللأسف فى الآونة الأخيرة أصبح الانتشار السريع للتكنولوجيا الرقمية من أحد أسباب اتساع الفجوة بين أفراد الأسرة.. فعلى سبيل المثال كانت الأسرة تجتمع معا فى السحور والإفطار وفى أداء الطقوس الدينية وفى المشاركة حتى للوجبات.. حتى مشاهدة الدراما الرمضانية كانت الأسرة تتجمع حول مسلسل أو برنامج ما .. وما ينتج عن ذلك عن مناقشات وتفاعلات إيجابية بين أفراد الأسرة الواحدة.. أما الان فكل فرد من أفراد الأسرة كما لو كانوا يعيشون فى جزر منعزلة وكل فرد له البرنامج أو المسلسل الخاص به دون وجود رقيب ونتج عن ذلك العديد من الاضطرابات والانحرافات السلوكية مثل إدمان المغامرات والمراهنات الإلكترونية، إدمان الألعاب الإلكترونية و الإدمان الرقمى، والعنف والتنمر الإلكترونى ومن هنا تأتى أهمية الأسرة وتماسكها كحصن منيع ضد كافة المخاطر ومن المهم جدا تثقيف الأهل والمقدمين على الزواج بأهمية التماسك والتقارب والتفاعل الأسرى البناء وكذلك ينبغى نشر الوعى بذلك من خلال المؤسسات التعليمية والاكاديمية ومنابر الإعلام ودور العبادة لرفع مستوى الوعى بأهمية التماسك الأسرى.. خاصة ان الكثير من الدراسات النفسية تؤكد ان التجمعات الرمضانية والجلوس الأسرى اليومى فى رمضان تؤدى دوراً علاجياً حقيقياً وتخفف التوتر والضغوط المتراكمة وتمنح الأطفال شعوراً بالأمان والانتماء وتقلل العزلة الرقمية الناتجة عن الإفراط فى استخدام الهواتف دون أن يشعر الأفراد بذلك.








