لم تكن الدورة الثانية والستون لاتحاد الصحفيين الأفارقة مجرد حدث عابر فى روزنامة الفعاليات المهنية، بل جاءت لتؤكد أن مسيرة العمل الإفريقى المشترك التى انطلقت عام 1972 لا تزال تنبض بالحياة، متجددة الشباب، متوثبة نحو آفاق أرحب من التعاون والبناء.. فخمسة عقود من العطاء المتواصل لهذا الاتحاد تمثل شهادة حية على أن الصحافة الإفريقية قادرة على أن تكون صوتًا موحدًا يعبر عن تطلعات الشعوب، ويدافع عن قضاياها، ويحفظ كرامتها وهويتها. فى هذه الدورة الاستثنائية، تتعانق الأيدى وتتلاقح الأفكار تحت سقف واحد، حيث احتضنت القاهرة نخبة من الإعلاميين الشباب من مختلف دول القارة، ليكتشفوا من جديد أن مصر لم تكن يوماً مجرد بلد عابر فى جغرافية إفريقيا، بل كانت ولا تزال القلب النابض الذى يمد شرايين القارة بالمعرفة والخبرة والأمل. وقد شكل التعاون المثمر بين اتحاد الصحفيين الأفارقة والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام برئاسة المهندس خالد عبد العزيز نموذجاً ملهماً للشراكة المؤسسية الناجحة، فالمجلس بإدراكه العميق لدور الإعلام فى تشكيل الوعى وبناء الإنسان، لم يدخر جهداً فى توفير كل سبل الدعم لإنجاح هذه الدورة، التى جمعت بين التأهيل النظرى والتدريب العملى، والزيارات الميدانية التى عكست حجم التنمية الشاملة التى تعيشها مصر فى عهد الجمهورية الجديدة. ويبرز فى هذا السياق اسم الكاتب الصحفى الكبير محفوظ الأنصارى، الذى يقود اتحاد الصحفيين الأفارقة برؤية ثاقبة وإيمان راسخ بضرورة تطوير أدوات العمل الصحفى، ومواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، مع التمسك بالثوابت المهنية والأخلاقية، فالأنصارى لا يرى فى الاتحاد مجرد منظمة مهنية تقليدية، بل منصة استراتيجية لصياغة خطاب إعلامى إفريقى جديد، قادر على منافسة الخطابات الدولية. ولم تخل الفعاليات من حضور دبلوماسى وفكرى رفيع المستوى، حيث أضفى السفيران القديران أحمد حجاج ومحمد حجازى بخبراتهما الدبلوماسية الواسعة بعداً استراتيجياً على النقاشات، مؤكدين أن الدبلوماسية والإعلام وجهان لعملة واحدة. كما أسهم الكاتبان الصحفيان الكبيران أحمد أيوب وعزت إبراهيم فى إثراء الحوارات برؤى نقدية عميقة حول مستقبل المهنة فى زمن الذكاء الاصطناعى والأخبار المضللة. وفى ظل هذا الزخم، تبقى للاشارة الواجبة إلى اسم الدكتورة سامية عباس، التى تستحق أن توصف بأنها «دينامو الاتحاد» بامتياز ،فهى بعملها الدؤوب وتفانيها المستمر وبمتابعتها اللصيقة مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، استطاعت أن تحول هذه الدورات التدريبية إلى أيقونة حقيقية للتميز، فى تقديرى ما يميز هذه الدورة ويضفى عليها قيمة استثنائية هو ذلك الربط العضوى بين الصحفيين الأفارقة ومصر، ليس فقط كوجهة للتدريب، بل كفضاء ثقافى وحضارى يعيدهم إلى جذورهم التاريخية، ويكشف لهم عن عمق الروابط التى تجمع شعوب القارة..فمصر التى طالما كانت منارة للعلم والفكر، تؤكد من خلال هذه الاستضافات المتتالية أنها ما زالت الحاضنة الكبرى للكفاءات الإفريقية، والمؤمنة بأن الاستثمار فى الإنسان الإفريقى هو أكثر استثمارات المستقبل أماناً وربحاً. تخرج الدورة الثانية والستون لتؤكد للجميع أن الإعلام الإفريقى.









