يقول الشاعر (صلاح عبد الصبور) في مسرحية “ليلى والمجنون” يعبر فيها على لسان إحدى الشخصيات عن صدمته ودهشته من ممارسة هذه القسوة والدناءة، وهذا الانحطاط والفساد في مجتمع يشتهر بتسامحه ولطف أهله: لا أدري كيف ترعرع في وادينا الطيب، هذا القدر من السفلة والأوغاد.
في الآونة الأخيرة، هناك متوالية من المواقف الشنيعة حصلت على “تريندات” في السوشيال ميديا، بل صارت حديث أماكن متفرقة في المقاهي، البيوت، أماكن العمل، وقد تعرض عدد من المواطنين لمواقف من بعض مواطنيهم يندي لها الجبين، وتكشف عن انعدام الوازع الديني أو الإنساني أو حتى الخوف من عقاب القانون، وتحت السمع والبصر ودون خشية حدوثها في شهر رمضان الكريم تحديداً.
وحتى قبل الشهر الكريم حدثت هذه المواقف المخزية، وقد تصرفت الجهات الأمنية (الداخلية) على الفور، بما هو واجب، وألقت القبض على الفاعلين لمحاكمتهم أمام القانون، لكن المسألة تتجاوز حدود العقاب القانوني إلى السؤال: كيف يفعل مواطنون ينتمون إلى بلد واحد هذه البشاعات مع مواطنيهم، ما الذي يحدث في مجتمعنا؟ هناك عبارة منسوبة إلى النجم السينمائي العالمي (آل باتشينو): في هذه الحياة ستتعلم كل شيء وحدك إلا القسوة سيقوم شخص آخر بتعليمها لك”.
ما هي القسوة؟ القسوة هي غلظة القلب ، والوحشية ، وإلحاق المعاناة عمداً بوصفها ظاهرة وجودية ونفسية، هل تعد القسوة تعبيراً عن القدرة على السيطرة من خلال قوة طاغية بوسعها إفراز الخوف والتهديد، أم أنها ممارسة الاستباحة للإنسان، بوصفه كائنا مهملاً لا قيمة له؟ وهناك سؤال آخر هو: هل هي اختراع بشري؟ عندما نتطلع إلى تحليل القسوة غير المبررة في الطبيعة الإنسانية، فإننا بإزاء تنويعات على اللحن نفسه أي القسوة.
علمنا التاريخ أن نفهم القسوة خلال الحروب ، ووفقاً لسياسات معينة تستهدف الترويع أو الردع أو التخويف والتهديد، لكنها في معظم الأحيان تتم بصورة محسوبة سياسيا حتى لا يصل إلى حد القتل أو الإبادة مثلاً.
ويطرح (ميكافيللي) فكرة أن القسوة ضرورة سياسية أكثر من التعامل باللين ، لأن الخوف من العقاب أضمن للتبعية والطاعة من اللين الذي ينتهي بانقضاء المنفعة.
وفي سياق آخر، يدعو للغرابة والتأمل أيضاً فكرة أن القسوة قوة وجودية ذات حيوية، من خلال الوعي بأن الحياة مليئة بممارسات القسوة، ومن هنا فإن القسوة عند (نتيشه) تعد إرادة القوة هي ممارسة للقسوة في مواجهة قسوة الوجود.
وبصورة إنسانية يقدم (دوستويفسكي) لنا القسوة كمشكلة أخلاقية معقدة حيث إمكانية تبرير وجود القسوة ضد الأبرياء، مما يضع الإنسان في مأزق خاص بوجوده في هذه الحياة غير الآمنة.
وبالموازة يعبر (تشيكوف) عن أن القسوة تحمل صورة اللامبالاة ، حيث يكون النظام الاداري قاسياً إلى درجة تدمير الأفراد، كما في قصة “عنبر 6”.
الآن وصلت القسوة إلى درجة الاستباحة من كل إنسان مريض بالاستقواء لا القوة بالفعل، وهو يبحث بهذا الفعل الزائف عن قوته فيختار الأضعف ليستبيح بقسوته إنسانيته.









