حين نتأمل القيم المصرية الأصيلة التى شكّلت وجدان هذا الوطن عبر آلاف السنين، تبرز قيمة “التضحية” كواحدة من أنبل وأعمق هذه القيم، فهى ليست مجرد سلوك عابر أو موقف استثنائي، بل هى روح تسرى فى تفاصيل الحياة المصرية، من البيت الصغير فى القرية إلى الميدان الواسع فى قلب المدينة، التضحية درجات ومراتب، لكنها فى جوهرها تعبير صادق عن الحب والانتماء والإيمان بأن هناك ما يستحق أن نقدمه على أنفسنا.
>>>
أسمى درجات التضحية هى التضحية بالنفس والروح، وهى مانراه فى شهدائنا الأبرار الذين قدّموا أرواحهم فداءً للوطن، هؤلاء لم يبحثوا عن مجد شخصى ولا عن مكسب مادي، بل حملوا أرواحهم على أكفّهم دفاعًا عن الأرض والعِرض والهوية. فى كل مرحلة من تاريخ مصر، كان هناك من يقف ليقول: “أنا فداء لهذا الوطن”، هذه الروح هى التى حفظت الدولة من السقوط، وحمت المجتمع من التمزق، وأبقت اسم مصر عاليًا رغم العواصف، إن دماء الشهداء ليست مجرد ذكري، بل هى رسالة متجددة للأجيال بأن الوطن أمانة، وأن الحفاظ عليه مسئولية مشتركة.
>>>
لكن التضحية لا تقتصر على ميادين القتال وحدها، فهناك تضحيات يومية صامتة، ربما لا تُكتب فى كتب التاريخ، لكنها محفورة فى ضمير المجتمع. تضحية الأم براحتيها، بنومها، بصحتها أحيانًا، من أجل أبنائها، كم من أمٍّ سهرت الليالي، وتحملت المشاق، وكتمت ألمها حتى لا يشعر أطفالها بالقلق؟ هذه التضحية العاطفية والإنسانية هى التى تصنع الأجيال القادرة على العطاء، وكذلك الأب الذى يعمل ساعات طويلة، ويتحمل ضغوط الحياة، ليؤمّن لأسرته حياة كريمة. تضحيته قد لا تكون ظاهرة فى كل لحظة، لكنها حاضرة فى كل تفاصيل الاستقرار والأمان الذى تعيشه الأسرة.
>>>
وفى نطاق أوسع، نجد التضحية فى المعلم الذى يخلص فى عمله رغم التحديات، مؤمنًا بأن رسالته بناء العقول قبل تلقين الدروس. ونراها فى الطبيب الذى يقدّم جهده ووقته من أجل إنقاذ مريض، وفى الجندى المرابط، وفى الموظف الذى يرفض الفساد، وفى الشاب الذى يختار الطريق الصعب لأنه الطريق الصحيح. كل هؤلاء يمارسون درجات من التضحية، قد تبدو صغيرة منفردة، لكنها حين تجتمع ترسم لوحة مجتمع متماسك يحترم القيم ويقدّر المسئولية.
>>>
التضحية أيضًا تعنى أن يقدّم الإنسان المصلحة العامة على المصلحة الخاصة حين يتطلب الأمر ذلك. أن يتحمّل الفرد بعض المشقة من أجل استقرار الجماعة، وأن يدرك أن تقدّم الوطن لا يتحقق إلا بتكاتف أبنائه. فى أوقات الأزمات، تظهر هذه القيمة بوضوح؛ إذ يتسابق الناس لمساعدة بعضهم البعض، ويتحوّل الإحساس الفردى إلى شعور جمعى بالمسؤولية. هنا تتجلى الروح المصرية الحقيقية: روح التكافل، والنجدة، والوقوف جنبًا إلى جنب.
>>>
غير أن ترسيخ قيمة التضحية فى نفوس الأجيال الجديدة يتطلب وعيًا وتوازنًا. فالتضحية ليست إلغاءً للذات ولا إنكارًا للحقوق، بل هى اختيار واعٍ يضع الأمور فى نصابها الصحيح، من المهم أن نعلّم أبناءنا أن التضحية تنبع من قوة داخلية، من ثقة بالنفس، ومن إحساس عميق بالانتماء. كما ينبغى أن نعرض لهم نماذج حقيقية ومشرقة، من التاريخ والواقع، تُجسّد هذه القيمة فى أبهى صورها، بعيدًا عن المبالغة أو الشعارات الجوفاء.
>>>
إن المجتمع الذى تسوده روح التضحية هو مجتمع قادر على الصمود والتجدد فحين يعتاد الناس أن يفكروا فى غيرهم، وأن يمنحوا قبل أن يأخذوا، تتراجع الأنانية ويقوى التضامن، والتضحية لا تعنى دائمًا مواقف بطولية كبري؛ أحيانًا تكون فى كلمة طيبة، أو فى وقت يُمنح لمن يحتاج، أو فى جهد إضافى يُبذل بإخلاص. هذه التفاصيل الصغيرة هى التى تصنع الفارق الكبير.
>>>
ختامًا، تبقى التضحية جوهرة فى تاج القيم المصرية، بها نحفظ الوطن، وبها نبنى الأسرة، وبها يرتقى المجتمع، إنها ليست مجرد قيمة نرددها، بل سلوك نعيشه، ورسالة نورثها. فإذا أردنا مستقبلًا قويًا لمصر، فعلينا أن نعيد اكتشاف معنى التضحية فى حياتنا اليومية، وأن نغرسها فى قلوب أبنائنا، لتظل مصر دائمًا وطنًا يستحق أن نضحى من أجله، ويستحق أن نفخر بالانتماء له.









