كل رمضان وأنتم بخير.. نعيش فى رحاب سيد الشهور.. الشهر العظيم المبارك الذى أنعم الله علينا فيه بفضائل وبركات لم يحظ بها شهر آخر من شهور العام، الشهر الذى اختصه الله بالعديد من النعم والخيرات والعتق من النيران والغفران من الذنوب والعطاء الإلهي.. وهو ما يفرض علينا أن نستثمره على أفضل ما يكون الاستثمار، ونستفيد منه بأقصى ما تكون الاستفادة.
لقد انشغلنا بالاستعداد لرمضان بتخزين كل أشكال وألوان الطعام والشراب، ولا بأس فى ذلك فالله سبحانه وتعالى يحب التوسعة على عبادة وفق استطاعة كل أسرة.. لكن الحقيقة التى يجب أن ندركها جميعاً أن رمضان شهر اقتصاد وتوفير فى الطعام والشرب.. شهر نتناول فيه وجبتين بدلاً من ثلاث، ولذلك هو فى حقيقة الأمر شهر اقتصاد وتوفير فى النفقات وهذا لا يحدث فنحن ننفق فى رمضان على الطعام والشراب أضعاف ما ننفق فى باقى شهور السنة.
رمضان ليس وليمة طعام.. رمضان شهر عبادات وطاعات وتقرب إلى الله بكل أعمال الخير.. وفى أيام وليالى رمضان لا ينبغى أن ننشغل بما سنأكله ونشربه، بل علينا أن نجتهد لمعرفة كيف نجنى ثمار العبادات والطاعات والاستفادة بهذا الشهر الفضيل ليكون منارة هدى ونقطة تحول مهمة فى حياتنا لنترجم على أرض الواقع قول الحق سبحانه: «شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان».
علينا أن ننتهز الفرصة لكى نتخلص من ذنوبنا وآثامنا التى تراكمت علينا طوال أيام وشهور السنة.. ففى رمضان- كما بشرنا رسولنا العظيم تفتح أبواب الخير، وتغلق أبواب الشر حيث يقول «صلى الله عليه وسلم»: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفِدت الشياطين»، فهو شهر خير وبركة ومغفرة ويتجاوز الله فيه عن الذنوب ويغفرها.
فى رمضان علينا أن نوطن نفوسنا على الإكثار من الطاعات، واجتناب المعاصى والذنوب، والمداومة على صلة الرحم، والإحسان إلى الوالدين والأقارب والجيران، وإنهاء النزاعات مع الآخرين، وطلب العفو من كل صاحب مظلمه، ورد الحقوق إلى أصحابها، فالمسلم مطالب شرعاً بأن يعيش فى هذه الأيام المباركة فى حالة تسامح مع النفس ومع الآخرين.
>>>
كثير من الناس يركنون إلى العبادات الرمضانية فقط من صلاة وصوم وزكاة ليحظوا ببركات رمضان، وهذا فهم خاطيء.. فالعبادات إذا لم تصاحبها أخلاق فاضلة، ومعاملات طيبة، وحرص على الحلال، وتجنب كل ما هو حرام، ستظل طقوساً شكلية لا تحقق أهدافها الحقيقية فى حياة الإنسان.. لذلك يقول رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فى الحديث الصحيح: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»،وفى هذا رحمة من الله عز وجل بعباده، حيث جعل رمضان فرصة لأصحاب المعاصى ليتخلصوا من أوزارهم، ففى الصيام نهارا، والقيام ليلا طاعة وتعبدا لله، وحفظ اللسان والجوارح عن الشهوات والسفاهات، بيئة خصبة للمسلم ليستفيد من هذا المناخ الإيمانى الذى يساعده على أن يكون إنساناً مثالياً ذو خلق كريم يحظى بقبول كل المتعاملين معه، ليحظى فى النهاية برضا الخالق سبحانه وتعالي.
>>>
علينا أن ندرك أن العبادات الإسلامية تستهدف أولاً تهذيب سلوك الإنسان، ولذلك فإن شهر رمضان الذى تتلاقى فيه عبادة الصوم مع عبادتى الصلاة والزكاة فرصة طيبة لنشر القيم والأخلاق الفاضلة بين الجميع، فالعبادات لم تفرض علينا لتعذيبنا، أو لحرماننا من طيبات الحياة كما قد يتوهم البعض، لكنها إلى جانب أنها طاعة لله فرضت علينا لمصلحتنا وكلها منافع لنا، فالصلاة كلها منافع للإنسان قبل أن تكون طاعة لله، والزكاة بركة فى الرزق والعمر قبل أن تكون عونا ومساعدة لأصحاب الحاجات، والصوم كله مكاسب روحية وبدنية للصائم الذى يحرص على آدابه وأخلاقياته.
علينا أن ندرك الأهداف الحقيقية لعبادات الإسلام ومقاصدها السامية، فالإنسان الذى يتطلع لرضا الله -عز وجل- لا يصلى ويرتكب الفواحش، ولا يصوم عن الطعام والشراب ويقترف الآثام والذنوب، ولا يزكى ويظلم خلق الله ويهدر حقوقهم، ولا يحج وهدفه أن يطلق عليه الناس لقب «حاج» وهو يفعل ما يشاء فى حياته الخاصة ومعاملاته مع الناس.
الإنسان الواعى الحريص على طاعة الله هو الذى يستفيد من هذه الأيام المباركة فى مراجعة نفسه وأن يبدأ فى التخلص من ذنوبه وآثامه، فكل منا فى أمس الحاجة إلى تصحيح المسيرة، وأن تكون أيامه القادمة كلها طاعة وحرص على الفضائل والطاعات، وأن يراجع نفسه باستمرار، ويتخلص من كل السلوكيات الخاطئة التى تجلب له غضب الله وعقابه.
>>>
كل من يصلى ويصوم ويزكى ولا يكف عن السلوكيات الشاذة والغريبة ويؤذى الآخرين بلسانه وسوء أخلاقه مطالب بمراجعة نفسه، وتصحيح مسيرة حياته، لأنه لم يستفد من عباداته وطاعاته شيئاً، وهذه النوعية من الناس تخرج من الدنيا مفلسة مهما تعددت وجوه الخير الذى تفعله، ورسول الله «صلى الله عليه وسلم»، يوضح لنا هذه الحقيقة فى الحديث النبوى الشريف فيقول: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا ردهم له ولا متاع، فيرد عليهم صلوات الله وسلامه عليه قائلاً: إن المفلس من أمتى يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتى وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح فى النار».
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا العقل والحكمة لنستفيد من هذه الأيام القادمة فى تصحيح مسيرة حياتنا.
نسأل الله لنا ولكم الهداية إلى ما ينفعنا طوال هذا الشهر الفضيل وأن يرزقنا حسن العبادة وحسن العمل وأن يتقبل صلاتنا وصيامنا وزكاتنا وصدقاتنا وكل عمل يقربنا إليه فى رمضان.. وفى غير رمضان.









