قال فضيلة مفتي الجمهورية، الدكتور نظير عياد، إن حدود العقل في التشريع ليست أغلالاً تعمل على تقييده، ولا سدوداً تؤدي إلى تعطيله، بل هي أسوار أمان تحميه من التيه وتقيه من الضلال.
وأضاف، خلال برنامج “حديث المفتي” المذاع على قناة “الحياة”: “العقل يُثبت النص والنص يهدي العقل، والعقل قائد والدين مدد، ولو لم يكن العقل لما بقي الدين، ولو لم يكن الدين لظل العقل حائراً، وباجتماعهما يجتمع نوران.. نور على نور”.
دور العقل إزاء النص.. وظيفته ومساحته
أوضح فضيلة المفتي أن العلاقة بين العقل والنص الشرعي ليست علاقة تزاحم ولا تصادم، ولا هي ميدان صراع بين نورين، بل هي علاقة تكامل وتعاضد؛ وهي من أدق القضايا التي شغلت أذهان علماء الأصول واستوقفت الفقهاء؛ لأنها تتعلق بمنهج الفهم، وتحدد طريقة التلقي، وتضبط مسار التدين.
فالعقل -أيها الكرام- نعمة جليلة ومنة عظيمة أكرم الله بها الإنسان، وجعله بها أهلاً للتكليف ومؤهلاً للتشريف؛ فهو أداة التفكر ومفتاح التدبر، وبه يميز الإنسان بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، إذا سلمت فطرته واستقامت بوصلته. لهذا لم تهمل الشريعة الإسلامية العقل ولم تعطل دوره، بل جعلته مناطاً للتكليف وأساساً للمحاسبة؛ ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ». ودل ذلك دلالة واضحة على أن العقل شرط في توجيه الخطاب الشرعي، ومفتاح للأوامر والنواهي، ووسيلة لتمييز المأمور من المحظور.
وإذا كان العقل شرطاً في التكليف، فإنه يُنظر إليه كذلك على أنه أداة الفهم والاستنباط؛ فبه يتدبر المسلم نصوص الكتاب والسنة، وبه تُستخرج الأحكام مستعيناً بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها من أدوات الاجتهاد التي عرفها الفقه الإسلامي.
يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله تعالى- في كتابه “الموافقات”: «إن العقل لا يعارض الشرع في أي حال، بل يعين على فهمه واستيعاب معانيه». ومن أبلغ الأدلة على مشروعية إعمال العقل فيما لا نص فيه، ما ورد في حديث معاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنه- لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقال له: «كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟»، قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟»، قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟»، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو، فَسُرَّ النبي ﷺ لذلك، وقال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ».
ولم يقف العلماء عند ظواهر النصوص، بل نفذوا بعقولهم إلى أعماقها، فاستخرجوا منها العلل واستنبطوا المقاصد؛ ليبقى التشريع محققاً لمصالح العباد في كل زمان ومكان. ومن هنا ظهرت “المقاصد الشرعية” أو ما يعرف بـ “الكليات الخمس”، وهي نتاج استقراء عقلي لنصوص الوحي الشريف؛ فحفظ النفس، والعقل، والدين، والنسل، والمال، مقاصد عليا قام عليها بنيان التشريع.
لا يصح أن نُقدم العقل على النقل القطعي
غير أنه يجب التنبيه إلى أن مساحة العقل لها حدود وضوابط؛ فلا يصح أن نُقدم العقل على النقل القطعي، ولا أن يجاوز الوحي أو يعارضه؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.
وختاماً، إن حدود العقل في التشريع ليست أغلالاً تقيده، ولا سدوداً تعطله، بل هي أسوار أمان تحميه من التيه وتقيه من الضلال؛ فالعقل يثبت النص والنص يهدي العقل، وباجتماعهما يجتمع نور على نور.









