ويأتى اسبوع جديد ولا نزال فى عالم تتسارع فيه الأحداث وتتقاطع فيه الأزمات السياسية والأمنية والإنسانية، لم يعد من الممكن النظر إلى القضايا الكبرى بمعزل عن سياقاتها المتشابكة. فالقضية الفلسطينية لم تعد مجرد ملف سياسى تقليدي، بل أصبحت معيارًا أخلاقيًا يقيس صدقية المنظومة الدولية. والتطرف لم يعد خطرًا محليًا محدودًا، بل تحوّل إلى ظاهرة عابرة للحدود تتغذى على الفضاء الرقمى والهشاشة الاجتماعية. أما أوضاع المسلمين فى الغرب، فقد باتت مرآة تعكس قدرة الديمقراطيات المعاصرة على التوفيق بين الأمن والحريات، وبين التعددية والهوية الوطنية.
فى هذا الإطار، يقدم مرصد الأزهر قراءة تحليلية شاملة لأبرز تطورات الأسبوع من 7 حتى 14 فبراير 2026، مستعرضًا مسارات القضية الفلسطينية، وخارطة التطرف فى العالم، وأوضاع المسلمين وقضايا الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية، فى محاولة لفهم أعمق لما يجرى واستشراف ما يمكن أن تؤول إليه هذه التحولات.
أولًا: القضية الفلسطينية بين اختبار القانون الدولى وحراك الضمير العالمى.
نكرر هذه الجملة كثيرا قبل الحديث عن القضيبة الفلسطينية؛ انها لم تعد مجرد نزاع جغرافي، بل تحولت إلى اختبار حقيقى لمدى التزام المجتمع الدولى بقواعد القانون الدولى ومبادئ العدالة والإنسانية. فما يجرى فى غزة والضفة الغربية يضع المؤسسات الدولية أمام سؤال جوهري: هل تبقى القوانين ملزمة للجميع، أم تخضع لاعتبارات السياسة والمصالح؟
أثار عبور طائرة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فوق أجواء دول أوروبية مثل فرنسا وإيطاليا واليونان جدلًا قانونيًا واسعًا، نظرًا لعضوية هذه الدول فى المحكمة الجنائية الدولية التى أصدرت مذكرة توقيف بحقه فى نوفمبر 2024 بتهم تتعلق بجرائم حرب. وقد أعاد هذا التطور النقاش حول حدود الالتزام بتنفيذ قرارات العدالة الدولية ومدى خضوعها لحسابات السياسة الواقعية.
فى المقابل، برزت المبادرات الشعبية كصوت موازٍ للسياسات الرسمية. ففى إسبانيا طالبت مبادرة «معلمون من أجل فلسطين» بقطع العلاقات مع إسرائيل ومراجعة العقود التجارية مع الشركات الداعمة لها، معتبرة أن استمرار التعاون يمثل تطبيعًا غير مباشر فى ظل الانتهاكات المستمرة. وعلى المستوى الثقافي، تناولت صحيفة بوبليكو تجربة المهندسة الفلسطينية نادية حبّاش، التى تستخدم العمارة والترميم والتوثيق الرقمى فى غزة كأدوات مقاومة مدنية لحماية الذاكرة الفلسطينية وتثبيت حق العودة تاريخيًا وقانونيًا.
دوليًا، بدت المواقف متباينة؛ إذ حذّرت البرازيل من أن توسع الاستيطان فى الضفة الغربية يقوّض فرص السلام، بينما أعلنت باراجواى اصطفافها الصريح مع إسرائيل مؤكدة نقل سفارتها إلى القدس. أما فرنسا فقد أدانت الإجراءات التى صادق عليها المجلس الأمنى الإسرائيلى لتعزيز السيطرة على أجزاء من الضفة الغربية، معتبرة أنها تنتهك أسس حل الدولتين.
وفى الداخل الفرنسي، اندلع جدل قضائى بعد إصدار مذكرتى إحضار بحق ناشطتين فرنسيتين-إسرائيليتين بتهمة «التواطؤ فى الإبادة الجماعية» على خلفية تعطيل قوافل مساعدات إلى غزة، مما فتح نقاشًا حول حدود الولاية القضائية العالمية. كما استُدعى أستاذ رياضيات للمساءلة بسبب تعليقه علمًا فلسطينيًا داخل غرفة الأساتذة، فى مشهد يعكس انتقال الحرب إلى الفضاءات التعليمية والقانونية الأوروبية.
فى المملكة المتحدة، تواصلت المسيرات التضامنية الحاشدة منذ أكتوبر 2023، مطالبة بوقف الحرب وفرض عقوبات على إسرائيل، فى تعبير واضح عن استمرارية الزخم الشعبى.
ميدانيًا، رُصدت تحركات لليمين الصهيونى المتطرف فى محيط غزة لإعادة إقامة مستوطنات داخل القطاع، وسط انتقادات لوزير المالية الإسرائيلى بتسلئيل سموتريتش. كما تصاعدت دعوات لمنع دخول المساعدات الإنسانية، فى مؤشر ينذر بكارثة إنسانية متعمدة، بالتوازى مع استمرار استهداف الصحفيين الفلسطينيين.
دبلوماسيًا، تستعد إندونيسيا لإرسال قوات حفظ سلام إلى جنوب القطاع، فيما برزت مساعٍ أمريكية لتطوير حقل الغاز قبالة سواحل غزة ضمن شبكة إقليمية تضم مصر والأردن، بما يجعل الاقتصاد أداة سياسية بامتياز.
داخليًا، يواجه الكيان الإسرائيلى أزمة نقص فى الجنود ورفض بعض التيارات الدينية للتجنيد، بينما ينسق نتنياهو مع دونالد ترامب بشأن الملف النووى الإيرانى قبيل الانتخابات المقبلة.
خارطة التطرف فى العالم بين العنف التقليدى والرقمنة المتسارعة
يشهد العالم تحولات أمنية معقدة؛ إذ لم يعد الإرهاب مقصورًا على التنظيمات التقليدية، بل اتخذ أشكالًا فردية رقمية عابرة للحدود.
فى سوريا، عاد تنظيم داعش إلى تنفيذ هجمات خاطفة، أبرزها هجوم استهدف جامعى الكمأة فى منطقة دويزين شرق حماة وأسفر عن مقتل 26 شخصًا. كما وثق التقرير سقوط 41 مدنيًا خلال أقل من أسبوع بسبب الألغام والذخائر غير المنفجرة، إضافة إلى تفجير كنيسة مار إلياس فى دمشق الذى أودى بحياة 24 مدنيًا.
فى كندا، شهدت بلدة تومبلر ريدج حادث إطلاق نار داخل مدرسة ثانوية أسفر عن مقتل 9 أشخاص، فيما حُكم على شخص فى كالجارى بالسجن 16 عامًا لانتمائه لداعش. وفى فرنسا، أُلقى القبض على شاب هدد بتفجير نفسه تحت برج إيفل عبر تطبيق تيك توك.
وسجلت إسبانيا 66 اعتقالًا مرتبطًا بالإرهاب خلال عام 2025، فى مؤشر على تحول التنظيمات إلى مرجعيات أيديولوجية تغذى التطرف الفردي. ووفق إحصائيات المرصد منذ بداية العام، قُتل أكثر من 600 شخص وأصيب 300 آخرون فى هجمات بأفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا.
فى إيران، أكد وزير الخارجية سيد عباس عراقجى أن تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية شرط لنجاح المفاوضات النووية، بينما أعلن رئيس الأركان عبد الرحيم موسوى استعداد بلاده لحرب طويلة إذا لزم الأمر.
وفى الصومال، تواجه بعثة الاتحاد الأفريقى ATMIS أزمة تمويل تهدد الانتقال الأمني، فيما اعتقلت القوات العراقية فى العراق زعيمًا لداعش فى الأنبار. كما يواصل تنظيما القاعدة وداعش خراسان نشاطهما فى أفغانستان، مهددين أمن الإقليم.
يؤكد المرصد أن الإرهاب بات ظاهرة مركبة تتطلب معالجة شاملة تجمع بين الحسم الأمنى والعدالة الاجتماعية والوقاية الفكرية وحماية الحقوق المدنية.
المسلمون فى الغرب بين تحديات الاندماج وتصاعد الإسلاموفوبيا
تتجلى أوضاع المسلمين فى الغرب كاختبار لقدرة المجتمعات الديمقراطية على إدارة التعددية. ففى فرنسا، برزت مبادرات للحوار مثل كتاب «الجسور» للأستاذ أليكس غراندو-تزيتـرون، وإصدار الجامع الكبير فى باريس دليل «المسلمون فى الغرب»، مقابل قرارات إدارية تحد من توسع بعض المدارس الإسلامية.
فى أستراليا، واجهت الشرطة انتقادات بعد فض وقفة صلاة احتجاجية بالقوة، تزامنًا مع زيارة الرئيس الإسرائيلى، وسط مطالبات باعتذار رسمى.
وفى الولايات المتحدة، تعرض نائب فى تكساس لانتقادات بسبب تصريحات عدائية ضد المسلمين، كما أُلقى القبض على سيدة أحرقت مواد أمام مسجد فى لوس أنجلوس قبيل رمضان.
فى المملكة المتحدة، أقر شاب بالذنب بحيازة مواد رقمية تدعم الفكر المتطرف، بينما أعلن مغنى الراب البريطانى سينترال سى اعتناقه الإسلام، فى مشهد يعكس تنوع التجارب الفردية.
أما فى روسيا، فقد شهد اليوم العالمى للحجاب فعاليات فى داغستان وتتارستان لتعزيز القيم الروحية والأسرية. وفى الهند، تتصاعد المخاوف بشأن الحريات الدينية فى ظل بيئة سياسية محتقنة، بينما تواجه إسبانيا صعود خطاب يمينى يوظف قضايا الهجرة والدين فى صراعات الهوية
وهنا نؤكد ان نجاح السياسات يقاس بقدرتها على حماية أمن الإنسان، دون التفريط فى القيم الديمقراطية وحقوق الأقليات، مؤكدًا أن إدارة التعددية تتطلب توازنًا دقيقًا بين الحوار القانونى والعدالة الاجتماعية والوقاية الفكرية.
تكشف لنا أحداث هذا الأسبوع أن العالم يقف عند مفترق طرق حاسم؛ فالقضية الفلسطينية تظل بوصلة أخلاقية تختبر صدقية النظام الدولي، وخارطة التطرف تعكس تحولات عميقة فى طبيعة التهديدات الأمنية، فيما تمثل قضايا الإسلاموفوبيا وحقوق المسلمين معيارًا لمدى نضج المجتمعات الديمقراطية.
إن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تتم عبر حلول جزئية أو مقاربات انتقائية، بل تتطلب رؤية شاملة تعيد الاعتبار للقانون الدولي، وتوازن بين الأمن والحرية، وتستثمر فى الوعى والحوار باعتبارهما خط الدفاع الأول ضد التطرف والكراهية. فالعالم اليوم لا يحتاج فقط إلى إدارة أزمات، بل إلى ترسيخ منظومة قيمية عادلة تضمن كرامة الإنسان أينما كان، وتعيد للعدالة معناها الحقيقى فى زمن تتكاثر فيه الاختبارات.









