ساعات ويهل علينا شهر رمضان الكريم، الدنيا تقوم ولا تقعد، وقد تم إعلان حالة الطوارىء، تحولت المحال والأسواق والشوارع والشوادر إلى خلايا نحل، وانتشرت حمى الشراء كالمعتاد، يشترى الناس ما يحتاجون وما لا يحتاجون ويحملون أنفسهم ما لا يطيقون.
وبلا مبرر، نستعد لحرب الطعام ومسابقات الالتهام، نحول رمضان من شهر الصيام إلى شهر طعام واستهلاك، على عكس الحكمة منه ومن مشروعيته، قلبنا الأمور رأسا على عقب، فكأننا صائمون طوال العام وسنفطر فقط فى هذا الشهر.
بالطبع ليس كل من يشترى كثيرا، على خطأ، فهناك من يشترى احتياجاته الكافية للشهر كله، حتى يتفرغ للعبادة والعمل، وهناك من يشترى لتوزيعه على الأهل وذوى الأرحام والفقراء، وهذا من القربات والعبادات، بينما المذموم هو المبالغة فى الشراء بما يزيد على الاحتياج، وفى الموائد وتكون نهايته سلة المهملات.
وقد أسهب العلماء فى تفصيل فوائد الصوم الصحية ومضار الطعام، وبيّن القرآن والسنة ذلك، ونعلم أن المعدة بيت الداء، وأن الصيام يفيد أعضاء الجسد من أجهزة عصبية ونفسية وخاصة الجهاز الهضمي، والسنة النبوية المطهرة توضح كيف نأكل فى الإفطار والسحور وما بينهما، وبين أيدينا ما جاء به العلم الحديث والدراسات، التى تؤكد منافع الصوم.
لكن بكل أسف أصبحنا نهتم بالبطون والطعام والشراب، ونعانى من التخمة ونحمّل أنفسنا عبئا جديدا بدلا من أن يتخلص الجسم من الأثار السيئة للطعام المستمر طوال العام.
ويحتفى الجميع بالشهر الكريم بمظاهر مختلفة ومتنوعة، حسب البيئة والموروث الحضارى، ويصور أمير الشعراء أحمد شوقى معانى الصيام، فى كتابه «أسواق الذهب» يقول: «الصوم حرمان مشروع وتأديب بالجوع وخشوع لله وخضوع، لكل فريضة حكمة وهذه الحكمة باطنها الرحمة، يستثير الشفقة ويحض على الصدقة، يكسر الكبر ويعلم الصبر ويسن خلاله البر، حتى إذا جاع من ألف الشبع وحرم المترف أسباب المنع، عرف الحرمان كيف يقع وكيف ألمه إذا لذع».
وقال طه حسين عن لحظات الإفطار: «فإذا دنا الغروب وخفقت القلوب وأصغت الأذان لاستماع الآذان وطاشت نكهة الطعام بالعقول والأحلام، فترى أشداقا تنقلب وأحداقا تتقلب بين أطباق مصفوفة وأكواب مرصوفة، تملك على الرجل قلبه وتسحر لبه بما ملئت من فاكهة وأترعت من شراب، الآن يشق السمع دوى المدفع، فتنظر إلى الظماء وقد وردوا الماء، وإلى الجياع طافوا بالقصاع، تجد أفواها تلتقم وحلوقا تلتهم».
رمضان ليس ككل الشهور، كريم بما يمن الله به علينا فيه من واسع الرزق والعطاء، وأجواء روحانية عطرة، أعلى تعبير عن الإرادة، عبادة توسع الصدر وتزيل أسباب الهم وتعلو بصاحبها إلى أعلى المنازل، فالصيام حالةً من السموّ الروحى والتحدى لتنقية النفس، يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ومن أكبر العون على التقوى.
موسم للطاعات، تتنزل فيه الرحمات، والصيام عبادة خالصة لله وحده، فقد عبد البشر كثيرا من دون الله مثل الجن والملائكة والكواكب والنجوم والأوثان وحتى الحيوانات، وقدموا لآلهتهم المزعومة القرابين والصلوات وغيرها ولكن لم يعبدوا أيا منها بالصيام، فتفردّ الله تعالى بهذه العبادة، وكذلك الإخلاص إذ يخلو الصيام من الرياء، إضافة إلى أن جزاء الصوم تكفل الله به، فلا يتم استيفاء حقوق العباد منه يوم القيامة، ووعد الصائمين بباب الريان لا يدخل منه إلا هم.
والصوم يتضمن الصبر والإحسان ومجاهدة النفس والتقوى وحسن الخلق وصلة الأرحام، وإذا كان الصوم امتناعا عن الحلال مثل الطعام والشراب، فإن الامتناع عن الحرام أولى فى رمضان وغيره.
ونحن نتهيأ لاستقبال الشهر العظيم، شهر القرآن والعبادة وصلة الأرحام، يبقى أن نراجع أنفسنا، من علاقاتنا وسلوكياتنا، داخل الأسرة والمجتمع والعمل، ونسعى لنتخلص من كل مسلك سلبى وتصرف غير طبيعي، ونصحح أخطاءنا، وننتهز هذه الفرصة العظيمة للتراحم، لقد أظلنا شهر عظيم مبارك، فيه من الخيرات والنعم ما ليس فى غيره، فيجب أن نغتنم تلك النفحات فى المزيد من الطاعات وفعل الخيرات وتصحيح السلوكيات.
كل عام والجميع بخير.









