ترجع كتب التاريخ و الأدب ان احتفالات الرؤية بمصر ظهرت بشكل قوى منذ منتصف القرن الثانى الهجرى «حوالى 150 هجرية» حيث ذكر الإمام السيوطى فى كتابه «حسن المحاضرة» ان أول من خرج إلى رؤية الهلال فى مصر كان هو القاضى «غوث بن سليمان» الذى توفى سنة 168 هـ، وكان رجلا سمحا متواضعا، يمشى فى حاجات الناس، ويبذل فيها جهدا حتى تقضى.. أما أول قاض صاحبه مجموعة من الشهود فى موكب الرؤية فهو «عبد الله بن لهيعة» الذى كان يخرج مع مرافقيه إلى منطقة الجيزة ليلة الرؤية، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى شرق القاهرة، حيث جبل المقطم، وظل القضاة يتبعون نفس التقليد إلى أن أعدت لهم «دكة» يجلسون عليها بسفح المقطم سميت بدكة القضاة، وتطور الأمر إلى استطلاع رؤية هلال رجب وشعبان احتياطا قبل رمضان. ويصف لنا ابن بطوطه فى رحلته الأولى سنة 727 هـ موكب الرؤية فى مدينة مصرية فيقول: اجتمع فقهاء المدينة ووجهاؤها بعد صلاة العصر فى آخر يوم من شعبان بدار القاضي، و كان فى استقبالهم على باب الدار «نقيب المتعممين» وهو رجل ذو شارة وهيئـة حسنة، فإذا أتى أحد الفقهاء أو الوجوه، تلقاه ذلك النقيب بكل ترحاب ومشى بين يديه حتى يوصله إلى مكانه قائلا : باسم الله، سيدنا فلان، فيرحب به القاضى ومن معه إلى أن يجلس فى مكانه.. فإذا تكاملوا هناك ركبوا جميعا وتبعهم من بالمدينة من الرجال و النساء والصبيان، فينتهون إلى موضع خارج المدينة يمثل مكان ترقب الهلال، ويكون هذا الموضع قد فرش بالبسط، فينزل القاضى و من معه يترقبون الهلال، و إذا ما هل وقت المغرب، أدوا الصلاة، ثم عادوا إلى المدينة و بين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس وما أن يراهم أصحاب الحوانيت حتى يشعلوا الشمع فى حوانيتهم، و ينتهى الموكب بعد تطوافه بشوارع المدينة إلى دار القاضي، و هناك ينصرفون. وفى العهد الفاطمى بنى مسجد مكان هذه الدكة سمى بمسجد «عبود».
وابطل الفاطميون أنفسهم رؤية الهلال، فجعلوا أشهر السنة الهجرية. 29 يوما و300يوم بالتناوب لكل شهر، فإذا وقع رمضان فى أى عدد منها -وفق ترتيبه- جعلوه كما هو دون تغيير، ودون اعتبار للرؤية. وبعد العهد الفاطمى عهد بالرؤية إلى القضاة مرة أخري، ولكن دون خروجهم حيث كانوا يجلسون فى المحاكم وينتظرون الشهور لإثبات الرؤية. وعند ثبوتها يخرج الأطفال من البيوت إلى الشوارع حاملين فوانيس رمضان ويغنون فرحا بقدومه «حاللو يا حاللو.. رمضان كريم يا حاللو.. حل الكيس وادينا بقشيش لنروح مانجيش يا حاللو» وهكذا يستمر الاحتفال وتستمر الفرحة طوال الشهر الكريم فى كل أرجاء مصر.









