بقلم : حلمى النمنم
أحال النائب العام المتهمين فى جريمة «ميت عاصم»، إلى محكمة الجنايات، وهكذا صاروا فى ذمة القضاء، وكانت وزارة الداخلية قد تتبعت خيوط الجريمة، فور أن نشرت صورة الشاب الذى اختطفه المجرمون من منزله، وألبسوه «قميص نوم حريمى» وعلقوه ثم راحوا يضربونه.. أمسكت «الداخلية» بكل الأطراف، وحققت النيابة العامة مع الجميع، بدءا من الشاب المخطوف نفسه واسمه إسلام، وكذا تسعة من الخاطفين، وحتى الفتاة التى زعموا أن «إسلام» قام بخطفها، فى تحقيقات النيابة أكدت الفتاة أنها لم تكن مخطوفة، فقد غادرت البيت بإرادتها ثم عادت.
الجريمة بِرِمَتها حالة جنائية، يحدث مثلها يوميًا فى كل بلاد الدنيا، وقد أدت الشرطة دورها وكذا النيابة العامة، ويمكننا القول كذلك إنها بالنسبة للمجتمع المصرى عادية جدا، شاب ارتبط عاطفيا بفتاة، ثم ذهب مع أسرته إلى باب البيت يطلبها، وأسرتها رفضت، إذ ارتأت أن مكانته الاجتماعية لا تليق بهم، وسارعت الأسرة لقبول خطبتها من عريس آخر، وبدا مناسبا لهم ولها، ولكن الفتاة صاحت فيهم، إنها تريد «إسلام»، ويبدو أن الأسرة حاولت الضغط عليها، فازداد الرفض وتركت البيت، وهذا كله عادى جدا، ويحدث كثيرًا، وتنجح الأُسر فى التعامل معه، لكن ما حدث بعد ذلك فى قرية ميت عاصم بمحافظة القليوبية، وهو غير العادى ويستحق أن نتأمله بعمق، بعيدا عن الشق الجنائي، إذ أنه يتعلق بفلسفة الدولة ذاتها وتكوينها الحديث.
فور اختفاء الفتاة قرر أهلها أن إسلام قام بخطفها وإخفائها، وبدلاً من أن يذهبوا إلى الشرطة لإعادة الفتاة والإمساك بالخاطف لو كانت مخطوفة، قرروا هم القيام بدور الدولة، فذهبواإلى بيت إسلام مسلحين وخطفوه ثم جرى ما نشرته معظم المواقع والمنصات الاخبارية.
هم تصرفوا وتعاملوا على أنه لا توجد دولة ثم قرروا الانتقام من الشاب على هذا النحو، التجريس والإهانة الإنسانية، بقصد الإهانة لذاتها، وكان التجريس والفضح عقوبة بحد ذاتها شاعت فى العصر المملوكي، كان يمكن أن يؤمر بأن يُحلق نصف شنب المدان، أو يحلق شنبه كاملا، وأن يركب حمارًا بالمقلوب، ويطاف به شوارع المدينة وسط نداء المنادى بالعقوبة، فيراه الجميع ويهلل الأطفال، ولا مانع أن يقذفه أحد بأى شيء من باب التفكه، باختصار يتم تجريسه، هذه العقوبات كان يقررها القاضي، وكان القصد التجريس لفضحه أولا وردع الآخرين.
كانت العقوبات تنفذ على مرأى من الجميع، وتذكر كتب التاريخ أن «طومان باي» سلطان مصر تم شنقه بأمر من سليم الأول أمام الجميع عند بوابة المتولي، وعلق جثمانه مشنوقا على باب زويلة، وكانت حالات الإعدام كلها تتم على مرأى من الجميع.
كان ذلك دأب دول العصور الوسطى فى كل مكان، لكن مع نشوء الدولة الحديثة، لم يعد هناك اعتداد بالتجريس، لأن فيه إهانة إنسانية، وباتت العقوبات تنفذ داخل السجون بما فيها عقوبة الإعدام، والأسباب كثيرة.
>>>
مصر لم تكن بعيدة عن هذا كله، إذ سعت منذ عهد محمد على إلى بناء الدولة الحديثة التى تسعى إلى الحفاظ على كرامة الفرد أولا وصيانة إنسانيته، فضلا عن بناء مجتمع قوي، ودولة تضمن صيانة حقوق الفرد وإنسانيته، كما حماية حق وحدود المجتمع كله.
منذ عهد محمد على «باشًا»، مطلع القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا، فى عهد الرئيس السيسى «الربع الثانى من القرن الحادى والعشرين» تحاول مصر الانتقال الكامل الى عهد الدولة الحديثة، وطنيا وإداريا وسياسيا بالمعنى الواسع والشامل، وإذا راجعنا كل الدساتير المصرية والوثائق الدستورية والقانونية، سوف نجد هذه الرغبة واضحة، والتأكيد على مدنية الدولة، وهناك جوانب تتعلق بالدولة وثمة جوانب تتعلق بالجهاز الادارى للدولة، وجوانب تتعلق بأطراف المجتمع نفسه وهذا هو الجانب الاصعب.
>>>
فى سيرته الذاتية حكى الأديب والشاعر الرائد إبراهيم عبد القادر المازنى «ولد سنة 1889» أنه فى طفولته وهو فى طريقه إلى المدرسة، كان يرى الأهالى يتجمعون ويهللون فى ميدان «باب الخلق»، حيث كانت تنفذ عقوبة الاعدام شنقًا امام الجمهور ، كان يدهشه تصفيق الجمهور وسعادتهم لحظة وصول المحكوم عليه الى ساحة الشنق والصعود إلى الطبلية ثم رفعه إلى حبل المشنقة ثم تنفيذ الشنق خطوة خطوة، حتى يصير جثة هامدة، وكأنهم فى عرض مسرحى أو حفلة سينمائية، ويتابعون بانبهار وسعادة كل حركة، وكان ذلك من بقايا سمات الحكم المملوكي، والتجريس وتنفيذ العقوبات أمام الجميع.
طالب المصلحون والكتاب بالتوقف عن ذلك وأكدت الدراسات أن تنفيذ العقوبات على هذا النحو له الكثير من الآثار السلبية، إذ ينمى نزعات العنف لدى البعض وقد يجعل من الذى نفذت العقوبة بحقه ضحية ويجتذب التعاطف، فضلاً أن البعض قد يحاولون محاكاة المشهد، فى النهاية صارت أحكام الإعدام، تنفذ داخل السجن مع عدم السماح بعرض المشهد أمام الجمهور.
مالم يقله المازنى إنه كانت هناك طرق عديدة لتنفيذ الإعدام، كان أشهرها فى العصرين المملوكى والعثمانى أن يتم القتل بالخوزقة، أى يوضع المحكوم عليه بالإعدام على خازوق، حتى يفارق الحياة، وكان ذلك يتم غالبا فى منطقة «تل العقارب»، خلف حى السيدة زينب، وكان غريبا أن الجنرال مينو قائد الحملة الفرنسية على مصر قام بتنفيذ تلك العقوبة فى يونيه سنة 1800، ضد سليمان الحلبى الذى اغتال جنرال كليبير، القائد الفرنسي، وكان ومازال غريبا أن جيش الحملة الذى جاء لنشر قيم الحرية والإخاء والمساواة، يلجأ إلى عقوبة يقوم بها العثمانيون، لكن مع بداية دخول مصر دولة الحداثة توقفت عقوبات عديدة من بينها الإعدام بالخازوق.
الطريف أن الخازوق بقى فى وعى المصريين من خلال بعض الأمثال الشعبية والنكات، فضلا عن دلالاته الرمزية، غيرأن الكثيرين، من أبناء الأجيال الجديدة لا يدركون معنى الخوزقة تاريخيا.
>>>
الغريب أن البعض من كُتَّاب وقانونيين وشخصيات عامة، طالبوا فى العقود الأخيرة أن نعود إلى تنفيذ عقوبة الإعدام وبعض العقوبات الأخري، وفى ميدان عام، ولا أعرف لماذا كان الإصرار على ميدان رمسيس، فى مجاراة لبعض الشعبويين، باختصارأنه الرغبة فى العودة عن الدولة الحديثة الى دولة العصور الوسطي.
وكان رفض الدولة الاستجابة لتلك الأصوات يؤكد تمسكها بمعنى وفلسفة الدولة المدنية/ الحديثة.
>>>
جهود وطنية كبرى فى مختلف المجالات، بُذلت فى عهد محمد على ومن جاء بعده لبناء الدولة المدنية الحديثة، وتنطلق المسيرة فترة وتتعطل فترة، ولكن ظل الهدف قائما، وبعد انتهاء حكم الأسرة العلوية بإعلان قيام الجمهورية سنة 1953، تواصلت الجهود لاستكمال بناءً الدولة المدنية الحديثة، ومع قيام الجمهورية الجديدة يجرى العمل على بناءً الدولة المدنية الحديثة، يؤكد الدستور فى ديباجته على ذلك المعني، الرئيس السيسى يُصِّرُ فى العديد من تصريحاته وكلماته على أن الهدف لدينا هو بناء الدولة المدنية الحديثة، ومن ثم وجب التصدى لمن يتصورون أو يحاولون العودة بنا إلى بعض ممارسات العصور الوسطي.
استياء الرأى العام والرفض الجمعى لجريمة تسعة من الشبان فى قرية ميت عاصم دليل قاطع على أن المجتمع متمسك بمدنية الدولة وحداثتها، سرعة تحرك الجهات الرسمية، سواء الشرطة أو النيابة العامة، يؤكد مجددا الحرص الرسمى على بناء الدولة المدنية الحديثة.
لا ينفى هذا أن لدينا بعض الجماعات تريد العودة بنا إلى روح ودولة العصور الوسطي، حيث التجريس أو الجرسة والفضح وتعطيل القانون، إلى جوار تلك الجماعات هناك بعض البؤر الإجرامية ودعاة الفوضى.









