بداية صحة الإنسان لا تنطلق من الدواء ولا من غرف العمليات بل من ذلك العالم الخفى الذى يعيش داخل أجسامنا بصمت فى أمعائنا وعلى جلدنا وفى أجهزتنا المختلفة تقيم تريليونات من الكائنات الدقيقة التى تشكل ما يعرف «بالميكروبيوم»، هذا المجتمع المجهرى ليس عنصراً هامشياً فى تكويننا البيولوجى إنما بمثابة شريك أساسى فى بناء المناعة وتنظيم عمليات الأيض وضبط الالتهابات والتأثير فى التوازن النفسى والعصبى. من هنا تبدأ ثورة «الميكروبيوم» ثورة تعيد تعريف مفهوم الصحة من جذوره وتنقلنا من مرحلة العلاج المتأخر إلى مرحلة الإدارة الواعية لصحة الإنسان من الداخل، التحول الذى أحدثته أبحاث «الميكروبيوم» يتمثل فى تغيير زاوية النظر إلى المرض، لم يعد المرض حدثاً مفاجئاً ولكن نتيجة لاختلالات تراكمية تبدأ غالباً باضطراب التوازن الميكروبى داخل الجسم، فقد أثبتت الدراسات أن هذا الاختلال يرتبط بأمراض مزمنة تستنزف المجتمعات مثل السكرى وأمراض القلب والسمنة واضطرابات المناعة وبعض أنواع السرطان فعندما يختل التوازن تضعف خطوط الدفاع الأولى فى الجسم وتتصاعد الالتهابات الصامتة التى تمهد الطريق لمضاعفات خطيرة. أما حين يدار «الميكروبيوم» بصورة علمية دقيقة عبر تغذية متوازنة وتقليل الإفراط فى المضادات الحيوية ودعم البكتيريا النافعة فإن الجسم يستعيد قدرته الطبيعية على الحماية الذاتية، هذه المقاربة لاتعزز صحة الأفراد فحسب بل تفتح أفقا واسعاً لتوفير مليارات تنفق سنوياً على علاج الأمراض المزمنة، ومما لا شك فيه أن أنظمة الرعاية الصحية تتحمل أعباء مالية متزايدة بسبب أمراض يمكن تقليل نسب الإصابة بها عبر تدخلات وقائية مبنية على فهم «الميكروبيوم». وعليه فإن الوقاية هنا ليست مفهوماً إنشائياً ولكن إستراتيجية قائمة على العلم تخفف الضغط عن المستشفيات وتعيد توجيه الموارد نحو البحث والابتكار بدل الاستنزاف العلاجى المستمر، وعندما ننظر إلى الأثر الاقتصادى لهذه الثورة يتجاوز حدود القطاع الصحي، فصناعة البروبيوتك والأغذية الوظيفية وتحاليل «الميكروبيوم» والعلاجات الحيوية الحية أصبحت قطاعات عالمية واعدة بمليارات الدولارات. فالاهتمام بالاستثمار المنظم فى هذا المجال يعنى خلق صناعات وطنية قائمة على التكنولوجيا الحيوية وتعزيز القدرة التنافسية فى سوق الغذاء الذكى وتقليل الاعتماد على استيراد منتجات علاجية مرتفعة التكلفة، كما يجب علينا أن نضع فى عين الاعتبار أن انخفاض معدلات المرض يرفع من إنتاجية القوى العاملة ويعزز الاستقرار الاجتماعى والاقتصادى فى آن واحد. ولا يقتصر تأثير «الميكروبيوم» على الزراعة والأمن الغذائى بل يمتد، حيث إن التربة الغنية بالكائنات الدقيقة النافعة تنتج محاصيل أكثر جودة وأقل اعتماداً على المبيدات الكيميائية ما ينعكس إيجاباً على صحة الإنسان وتقليل الأعباء الصحية المستقبلية، فبذلك تتكامل المنظومة بين صحة الفرد واستدامة الغذاء وقوة الاقتصاد الوطنى.. وفى هذا السياق، يصبح من الضرورى الانتقال من الوعى العلمى إلى الفعل المؤسسى عبر تأسيس «هيئة وطنية للميكروبيوم والتغذية الدقيقة»، تكون مظلة تنظيمية وعلمية واستثمارية لهذا القطاع الحيوى، تتولى هذه الهيئة وضع الإستراتيجيات المناسبة واعتماد مختبرات التحليل وتنظيم سوق المكملات الحيوية ودعم الأبحاث التطبيقية وربط الجامعات بالقطاع الصناعى وإدماج مفاهيم التغذية الدقيقة ضمن السياسات الصحية والتأمينية. فالدول التى ستبادر بتنظيم هذا المجال واحتضانه مبكراً ستتمكن من خفض فاتورة العلاج وتعزيز أمنها الصحى وبناء قطاع حيوى تنافسى يرفد اقتصادها لعقود مقبلة، ومن يحسن قراءة هذا التحول اليوم سيملك أدوات القوة الصحية والاقتصادية فى المستقبل.









