هذا العام مرّ يوم مولدى على غير عادته. لم يكن مجرد مناسبة تتكرر وفق طقوس محفوظة؛ بعض التهاني، بعض الصور، ابتسامات تفرضها كلاسيكيات الحياة الرتيبة. كان اليوم أشبه بمرآة وُضعت فجأة أمامي، تعكس ما تحقق، وما لم يتحقق، وما ظننته تحقق ثم اكتشفت أنه كان سرابًا مؤقتًا. تنازعتنى مشاعر متناقضة؛ فرح خفيف لأننى مازلت أسير، وحزن ثقيل لأن الطريق لم يكن دائمًا كما تخيلته.
>>>
الخيبات تجمعت أمام عينيّ فى صف طويل، كأنها تطالبنى بالاعتراف بها واحدةً واحدة. إخفاقات مهنية، رهانات سياسية لم تصمد، قرارات اتخذتها بيقين كامل ثم دفعت ثمنها على مهل. وفى اللحظة ذاتها، قفزت النجاحات والانتصارات الصغيرة لتخفف شيئًا من الضباب؛ إنجاز هنا، موقف شجاع هناك، كلمة حق قيلت فى وقت كان الصمت أسهل. كأن حياتى تقف فى منطقة رمادية، لا هى مأساة كاملة ولا ملهاة صافية، بل مزيج من خيبات مضحكات مبكيات.
>>>
فى خضم هذه الحالة، أعدت قراءة «الخال فانيا» لأنطون تشيخوف، تلك المسرحية التى كتبها عام 1897، عن فكرة ضياع العمر والإحباط الصامت. وجدتنى أقرأها هذه المرة بعين مختلفة؛ لم أعد مجرد قارئ يتعاطف مع شخصيات أدركت متأخرة أنها أفنت حياتها فى خدمة وهم، بل صرت أبحث عن نفسى بين السطور. فانيا الذى اكتشف أن الرجل الذى كرّس عمره لخدمته لم يكن العبقرى الذى تخيله، لم يكن مجرد شخصية روسية فى ريف بعيد؛ كان صورة مكبرة لكل إنسان صدّق حكاية ثم عاش على هامشها سنوات طويلة.
>>>
تسللت إليّ الأسئلة دون استئذان: هل ضاعت أعمارنا حقًا؟ أم أننا نبالغ فى جلد الذات كلما اقتربنا من محطة زمنية جديدة؟ هل كانت سلبيتنا هى السبب؟ هل خنقنا كلمة «لا» فى أعماقنا، وتركناها تموت اختناقًا حتى لا نزعج أحدًا أو نكسر إيقاعًا اعتادته الجماعة؟ كم مرة وافقنا لأن الرفض مرهق؟ كم مرة سكتنا لأن المواجهة مكلفة؟
>>>
أحيانًا لا يضيع العمر فى قرارات كارثية، بل فى تنازلات صغيرة متراكمة. فى تأجيل حلم بحجة الواقعية، فى قبول وضع لا يشبهنا بدعوى الحكمة، فى استمرار علاقة انتهت روحها لأننا لا نحتمل فكرة الفشل. الضياع لا يأتى فجأة، بل يتسلل فى هيئة «سأتحمل قليلاً» و»الأمور ستتحسن لاحقًا». نعيش على أمل تعديل قادم، ونؤجل الحسم إلى غدٍ لا يختلف كثيرًا عن الأمس.
>>>
ومع ذلك، ليست الصورة قاتمة بالكامل. لو كان العمر قد ضاع فعلاً، لما كان لهذا القلق معني. القلق نفسه دليل حياة. المراجعة علامة وعي. ربما ليست المشكلة فى أننا أخطأنا، بل فى أننا تأخرنا فى الاعتراف بالخطأ. وربما ليست الخسارة فى أننا فشلنا أحيانًا، بل فى أننا لم نتعلم سريعًا كيف نعيد توجيه المسار.
>>>
بين الفرح والحزن، بين الأمل واليأس، أدركت أن الحياة ليست حسابًا رياضيًا بسيطًا. لا يمكن جمع الخيبات فى كفة والنجاحات فى أخرى لنخرج بنتيجة نهائية. بعض الخيبات صنعتنا أكثر مما صنعتنا الانتصارات. بعض الإحباطات كانت تدريبًا قاسيًا على الصبر، وبعض القرارات المؤلمة كشفت لنا عن أنفسنا بوضوح لم يكن ليتحقق فى أوقات الراحة.
>>>
«الخال فانيا» تنتهى باستمرار الحياة رغم كل شيء. لا انقلاب عظيماً، لا خلاص درامياً، بل عودة إلى العمل اليومى مع وعد بعيد بالراحة. قد تبدو النهاية محبطة، لكنها تحمل حكمة خفية: ليس كل إدراك متأخر يعنى أن كل شيء انتهي. أحيانًا يكفى أن نعرف الحقيقة، حتى لو لم نستطع تغيير الماضي، لنغيّر ما تبقى من الطريق.
>>>
يوم ميلادى هذا العام لم يمنحنى إجابات قاطعة، لكنه منحنى شجاعة السؤال. شجاعة أن أقول إن بعض ما مضى كان يمكن أن يكون أفضل، وإن بعض ما هو آتٍ يمكن أن يكون أصدق. ربما لا نستطيع استرداد السنوات التى مضت، لكننا نستطيع أن نحرر ما تبقى من عمرنا من تكرارها.
>>>
الخيبات ستظل جزءًا من الحكاية، لكنها ليست الحكاية كلها. والانتصارات، مهما بدت صغيرة، قادرة على إضاءة مساحات معتمة فى الداخل. بين الضحك والبكاء، بين الندم والرضا، تمضى الحياة. ليست مثالية، ولا عادلة دائمًا، لكنها ما زالت تمنحنا فرصة أن نعيد تعريف أنفسنا كلما ظننا أن الوقت فات.
>>>
لعل العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بقدرتنا على أن نصحو قبل أن ينتهى المشهد. وإن كان ثمة عزاء فى كل ما مضي، فهو أن الوعى نفسه انتصار هادئ، لا يصفق له أحد، لكنه يغيّر صاحبه إلى الأبد.









