حالة من التربص الغريب تسبق كل تعديل وزاري، وكأننا أمام طقس معتاد لا يكتمل المشهد بدونه.. ما إن يُعلن عن أسماء الوزراء الجدد حتى تنطلق سهام الاتهام، وتتوالى حملات التشكيك، ويُفتح باب السبّ والقذف على مصراعيه، قبل أن يجلس الوزير على مقعده أو يطّلع على ملفات وزارته.. شخصيات لها تاريخ مهنى واجتماعى محترم، بعضها نجح فى مجاله سنوات طويلة، تتحول فجأة إلى هدف مفتوح، وكأن المنصب العام جريمة تستوجب العقاب الفوري.
>>>
السؤال الذى يفرض نفسه: ما الهدف من هذه الحملات التى تبدو فى كثير من الأحيان ممنهجة ومنسقة؟ هل هو الحرص الصادق على الصالح العام؟ أم أن هناك حالة تربص مستدامة بكل من يقترب من دوائر السلطة؟ لا أتحدث هنا دفاعاً عن أشخاص بأعينهم، فالمناصب العامة بطبيعتها تخضع للمساءلة، وأى مسئول يجب أن يكون تحت مجهر الرأى العـام.. لكـن ما يحدث أحياناً يتجاوز المساءلة إلى ما يشبه الاغتيال المعنوى المسبق، حيث يُحاكِم البعض النوايا قبل الأفعال، ويصدرون الأحكام قبل أن تبدأ التجربة.
>>>
هناك فرق كبير بين النقد والعداء، بين الرقابة والهجوم، بين السؤال المشروع والتشهير المتعمد.. النقد حق أصيل، بل هو ضرورة لصحة أى نظام سياسي.. لكن النقد يفترض وجود وقائع وقرارات يمكن تقييمها، لا مجرد أسماء يُراد إسقاطها. حين يتحول المشهد إلى سباق على «التريند»، يصبح الهدف ليس حماية الدولة أو تحسين الأداء، بل حصد المشاهدات وتوسيع دوائر المتابعين.. عندها يفقد الخطاب العام جديته، ويتحول المنصب العام إلى ساحة تصفية حسابات أو منصة لصناعة الأبطال الافتراضيين.
>>>
قد يقول قائل إن الهجوم نابع من غيرة شديدة على البلد، أو خوف مشروع على المال العام، أو رفض لأى شبهة تضارب مصالح.. إذا كان الأمر كذلك، فهو دافع نبيل حتى لو اختلفنا حول أسلوب التعبير.. فاليقظة المجتمعية قيمة إيجابية، والوعى بحقوق المواطن مكسب لا ينبغى التفريط فيه.. لكن المشكلة حين تتحول هذه الغيرة إلى اتهام مجاني، أو حين يصبح الأصل فى المسئول هو الفساد حتى يثبت العكس، بدلاً من العكس.. بهذه الطريقة، نخلق مناخاً طارداً لا جاذباً، ونرسل رسالة سلبية لكل من يفكر فى خدمة بلده من موقع رسمي.
>>>
حرية الصحافة والإعلام أمر مقدس، ولا خلاف على أهميتها فى كشف الفساد ومراقبة الأداء.. لكن الحرية تلازمها مسئولية، وإساءة استخدامها تضرّ بالمسار العام أكثر مما تنفعه.. الإعلام حين يخلط بين الخبر والرأي، أو يقدّم الشائعات فى ثوب الحقائق، يساهم فى تشويش الصورة لا فى توضيحها.. أما وسائل التواصل الاجتماعي، فقد ضاعفت التأثير أضعافاً، وجعلت من أى ادعاء مادة قابلة للانتشار فى دقائق، دون تحقق أو تدقيق.. وفى هذا المناخ، يصبح الاتهام أسرع من الحقيقة، والتشهير أكثر جذباً من التقييم الرصين.
>>>
الأخطر من ذلك أن هذه الأجواء تدفع كثيراً من الكفاءات إلى العزوف عن العمل العام.. من يملك خبرة مهنية مستقرة، وسمعة طيبة، وأسرة تخشى عليها من القيل والقال، قد يفضّل البقاء فى مجاله الخاص على خوض تجربة منصب عام يعلم أنه سيدفع فيه ثمناً شخصياً ومعنوياً باهظاً.. ليس الجميع مستعداً لتحمّل نهش الأعراض، ومتابعة الأنفاس، وتفتيش الماضى بحثاً عن زلة أو اجتزاء تصريح قديم خارج سياقه.. وهكذا نخسر طاقات يمكن أن تضيف، فقط لأن المناخ العام أصبح معادياً بطبيعته.
>>>
لا أحد يطالب بإعفاء الوزراء من النقد أو بمنحهم صكوك براءة مسبقة. المطلوب فقط قدر من الإنصاف والاتزان.. اتركوهم يدخلوا مكاتبهم أولاً، يطّلعون على الملفات، يضعون خططهم، ويبدأون العمل.. بعدها، حاسبوهم على النتائج، وقيّموا قراراتهم، وناقشوا سياساتهم.. المساءلة الحقيقية تقوم على الوقائع لا على التوقعات، وعلى الأرقام لا على الانطباعات.
>>>
الاغتيال المعنوى أخطر ألف مرة من الاغتيال الجسدي، لأنه يقتل السمعة والاعتبار والثقة، وهى عناصر يصعب تعويضها.. وإذا اعتدنا هذا الأسلوب مع كل مسئول جديد، فسوف نرسّخ ثقافة الشك الدائم، ونحوّل المنصب العام إلى فخّ لا إلى مسئولية. الدولة تحتاج رقابة يقظة، نعم، لكنها تحتاج أيضاً مناخاً يسمح بالعمل والإنجاز.. بين الحماسة المخلصة والهجوم المجانى خيط رفيع، وإذا لم ننتبه إليه، سنخسر الاثنين معاً: الكفاءة والثقة.









