مع نسائم رمضان، فى كل عام، يحضر الازهر تاريخا وقيما ودورا، ليس فى مصر وحدها بل فى غالب البلاد الاسلامية والعربية، لما للازهر الشريف من منزلة كبيرة فى نفوس وعقل الامة، ولما يمثله من إسلام وسطى معتدل جامع للامة وليس مفرقا لها كما هى عقيدة المتطرفون التى انتجت داعش والقاعدة خلال العقود الماضية واذاقت الامة جرعات من الالم والفوضى والقتل بإسم الدين وهومنها براء، كان الازهر عبر مسيرته وفتاويه «فى أغلبها» نقيض هذه الوهابية والداعشية كان ولايزال مؤسسة لنشر الخير والوحدة والتسامح، ولذا لايأتى شهر الصيام بإعتباره شهر الخير والرحمة، الا ويذكر الإسلام الوسطى وأكبر رمز له الا وهو «الازهرالشريف» ويستحضر الناس سيرته، وتنطلق الامنيات بشأنه وفى رمضان المعظم يأتى الحديث المتجدد عن الأزهر ودوره فى إطفاء الخلافات المذهبية والطائفية التى تنهش جسد الأمة الإسلامية هو حديث يأتى من قناعة بأهمية دوره، والذى تجسد عبر عصور طويلة من طرح مفهوم الإسلام الوسطى الذى قدم نموذجاً حضارياً لصورة الإسلام والمسلمين، والذى يتعرض اليوم لهجمة شرسة من قبل قوى التطرف والغلظة، وتحاول هذه الفرق السيطرة على الأزهر الشريف من خارجه «وأحيانا من داخله بدعم صحراوى صاحب فهم متخلف للدين !!!!» وبدعم مالى كبير لما يمثله من مكانة روحية ودينية وقومية فى نفوس المسلمين فى شتى بقاع الأرض، وإذا كان الحرمان الشريفان فى مكة المكرمة والمدينة المنورة قد حظيا بالقداسة الدينية باعتبارهما مهد الرسالة وقبلة المسلمين، فإن الأزهر الشريف اكتسب مكانته الدينية والروحية فى العالم أجمع من خلال دوره التنويرى كجامع وجامعة حملت عل عاتقها نشر الإسلام المستنير، واحتضان المذاهب المختلفة دون استبعاد أو تعصب ودوره التحررى فى مواجهة الطغاة والغزاة عبر تاريخ الامة الممتد …وهو الامر الذى يحتاج منا الى حماية الازهر من تلك الهجمات الوهابية من خلال إستحضار دوره التاريخى فى الدفاع وحدة الامة وتبنيه للفهم الاسلامى الوسطى المستنير عبر تاريخه الطويل من الانشاء(970م) وحتى اليوم.
>>>
ظل الأزهر الشريف قلعة الاسلام عبر العصور ولقد كان الجامع الأزهر فى مصر هو الذى يمثل الدعوة الإسلامية و العمل السياسى الإسلامى المستقل عن الحكام فى عصر المماليك و العثمانيين و حتى بداية عصر «محمد علي» و الذى فى عهده بدأ تقييد حركة الأزهر و تجريده من نفوذه السياسى على مراحل عدة واذا أضفنا اليه صعود الدور الداعشى والاخوانى الغليظ .. فى المنطقة منذ السبعينات ؛لوضحت الصورة أكثر حيث إرتبطت المشاكل التى عانى منها الأزهر بتراجع الدور المصرى وصعود الإسلام العنيف فى السيطرة وتأثيره فى المنطقة، وتأثيره المتنامى مع هزيمة 1967، ويعود الى ما يعرف بحقبة ـ البترودولار وسياسة دفتر الشيكات لشراء الولاء والذمم، وانتعاشها منذ سبعينات القرن الماضي، والإفصاح عن وجهها كرديف للجهد الأمريكى المكثف لاحتواء المنطقة. ولم يكن ذلك ممكنا دون غياب الدور المصري، السياسى والتنموى والدينى والثقافى والحضارى. ونجحت أمريكا وأذنابها فى ذلك نجاحا كبيرا، وصرفت على ذلك أموالا طائلة تقدرها بعض المصادر بـ76 مليار دولار عل مدار ثلاثين عاما.
>>>
ورغم هذه الهجمة التكفيرية الشرسة التى تعرض لها الأزهر الشريف فإن تاريخ الشيوخ الداعين لوحدة الامة والى الفكر الاسلامى المستنير ظل هو الاصل فى تاريخ الازهر الممتد ومنهم نتذكر الشيخ البشرى صاحب المناظرة الشهيرة للتقارب مع محبى آل بيت الرسول مع السيد عبدالحسين شرف الدين «التى صدرت فى كتاب معروف بإسم المراجعات أوائل القرن الماضى» وعبدالمجيد سليم شيخ الازهر فى نهاية الاربعينات مؤسس دار التقريب بين المذاهب والشيخ محمود شلتوت صاحب الفتاوى المعروفة بالوحدة بين السنة والشيعة وصولا الى الشيخ محمود عاشور وكيل الازهر السابق رحمة الله عليه والذى رأس دار التقريب بين المذاهب فى مصر وكان كاتب هذه السطور قريبا وصديقا له .هؤلاء العلماء وغيرهم كانوا دعاة للخير من خلال دعوة الازهر الشريف للوحدة ورفض الفتن والصراعات والانحرافات الفقهية .
>>>
إن الازهر لايزال ينبض بالعلم القائم على حتمية وحدة المسلمين فى مواجهة الاعداء الحقيقين من صهاينة وامريكان وأصحاب هذا الفكر الدينى الشاذ والذى أنتج القاعدة وداعش ووصل الى حد تكفير كافة المذاهب الاسلامية المعروفة مثل الأشاعرة والإباضية والحنفية والشافعية والشيعة،
ولا شك أن تراجع دور الأزهر فى السنوات السابقة خاصة ماسمى بسنوات الربيع العربى مرتبط بتراجع الدور السياسى المصرى إبان هذا الربيع الوهمى .. وصعود آخرين أقل قيمة وقامة من مصر.. ولكنها تغود ويعود الازهر ورموز الإسلام الوسطى ثانية الى الواجهة وسيظلون عليها !
>>>
إننا فى رمضان المعظم نتذكر الازهر الحق، أزهر محمد عبده والدجوى وعبدالمجيد سليم ومحمود شلتوت ومحمد أبو زهرة وجمال قطب ومحمود عاشور واحمد السايح وعشرات الائمة والشيوخ الكبار الداعين للاستنارة والوحدة ورفض الغلو والتكفير، نتذكرهم ونتذكر الإسلام الوسطى العظيم لا إسلام بعض الشيوخ الذين ذهبوا تحركهم الدنيا بزخرفها الى بلاد الغلو وثقافته فى السبعينات وعادوا محملين بفكرداعشى شاذ يخالف دين الازهر الذى هو دين الاسلام الصحيح.
فى رمضان المعظم نريد ونتمنى للاسلام الوسطى وفى قلبه الازهر أن ينهض مجددا بالفقه والفكر والدور الصحيح الجامع للامة والذى كان ولا يزال هو دوره التاريخى الذى عرفته مصر وعرفه العالم الاسلامى قبل الهجمة الداعشية الأخيرة، وأظنه سيعود حتما بإذن الله .









