10 سنوات تمر يوم 17 فبراير الحالى على ذكرى رحيل الكاتب الأكبر والأشهر محمد حسنين هيكل، رحل خلالها بالجسد، وبقيت كلماته حية صادقة، وتحليلاته ورؤاه للمستقبل صالحة.
هيكل هو صاحب التجربة الصحفية الأكثر أهمية وعمقًا «بين الصحافة والسياسة»، ولا أبالغ إن قلت إن حضوره يمثل مرحلة فارقة تؤرخ لما قبل هيكل فى الصحافة وما بعده.
هيكل من النوادر الذين نجحوا فى كسر العلاقة مع المنصب، فرأيناه يزداد تألقًا بعد أن غادر موقعه رئيساً لتحرير «الأهرام» سنة 1974. إبداع هيكل الحقيقى تحقق خارج مناصبه الرسمية، وقيمة وأهمية ما قدمه من تراث فكرى يتجاوز أعمال صحفية تقليدية يأتى عليها الدهر بعد ردح من الزمن، ليمتد إلى إرث من المراجع التى لا غنى عنها لأى متابع أو باحث.
عرفت الأستاذ محمد حسنين هيكل عن قرب اعتبارًا من عام 2008، وفى ظروف صعبة كان يتعرض خلالها لعملية «حصار» و«اغتيال معنوى» على خلفية محاضرته الشهيرة عن مبارك ونظامه، والتى استخدم فيها عبارته بأن: «السلطة شاخت فوق مقاعدها». حيث كان هدفًا لحملة «مسعورة» انطلقت عليه فى أوج ما تردد عن «التوريث» والظهور المكثف لجمال مبارك على الساحة السياسية.
محمد حسنين هيكل
فى أواخر مايو 2008 قمت بالتسجيل فى دورة دراسية مكثفة نظمتها «مؤسسة هيكل» للصحافة بعنوان: «محددات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط»، وكان الضيف الرئيسى بها الدكتور ستيفين والت أستاذ العلوم السياسية بجامعة «هارفارد» الأمريكية، وبحضور 60 صحفيًا وباحثًا من مصر والوطن العربي.
بعد الجلسة الافتتاحية بقاعة «ايوارت» بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، توجهنا لمصافحة الأستاذ هيكل والتقاط الصور التذكارية معه، ولفت نظره أننى الصحفى الوحيد من مؤسسة صحفية قومية الذى يشارك فى هذه الدورة.
فى هذه الأجواء الصعبة ذهبت للأستاذ هيكل، الذى احتضننى وحرص على إزالة الكثير من الحواجز والرهبة التى يمكن أن تفصلنى عنه وأخذ يجيب على كثير من تساؤلاتى فى كل مرة التقيته فيها، بل أننى ذات يوم أبلغته بأننى بصدد إعداد كتاب عن «الملك فاروق»، فطلب منى أن أبعث له بمسودة هذا الكتاب ليقرأه ويبلغنى بملاحظاته قبل سفره خلال شهر.
وأعود إلى موضوع الدورة، حيث طرح الأستاذ هيكل سؤالاً وجوديًا لا إجابة واضحة له منذ عام 1948 بقوله: «هناك قاعدة بديهية وعلمية تؤكد إن سياسات الدول تسير وراء مصالحها، لكن سياسات الولايات المتحدة تمضى باصرار على طريق الصدام مع هذه القاعدة، بمعنى أن مصالح الولايات المتحدة الكبرى والحيوية فى هذه المنطقة عند العرب يقينا، لكن هوى السياسات الأمريكية منجذب نحو إسرائيل».
وأضاف: «إن هذا الانحياز الجارف نحو إسرائيل تسبب فى إساءات بالغة للعلاقات العربية الأمريكية».
هذ ما قاله لنا الأستاذ هيكل فى تحليله للموقف العربى قبل 18 عامًا.
تُرى ماذا تغير من حقائق الموقف حتى الآن؟
وماذا لو كان بيننا حاليًا، ماذا كان سيقول عن القضية بعد أحداث 7 أكتوبر 2023؟
رحـل هيكـل بالجسـد، وبقـيت أفكـاره صـالحة، وكلمـاته حية لا تموت.