أحاول أن أقرأ التعديلات الوزارية الأخيرة فى سياقها الطبيعى، بعيداً عن لعبة التخمينات التى تتحول أحياناً إلى رياضة شعبية، وبعيداً أيضاً عن التحليلات العاطفية التى تفسر كل قرار باعتباره إشارة خفية إلى صراع أو مجاملة أو توازنات شخصية. الدولة لا تُدار بهذه الطريقة، ولا يمكن لبلد بحجم مصر، وفى قلب هذا الإقليم المضطرب، أن يتحرك بمنطق رد الفعل أو الارتجال. لذلك فإن الإبقاء على الدكتور مصطفى مدبولى فى موقعه لا يمكن قراءته باعتباره مسألة «عِشرة» أو مجاملة سياسية، كما أن خروج بعض الوزراء ودخول آخرين ليس تغييراً من أجل التغيير، بل يبدو أقرب إلى عملية إعادة ترتيب أوراق شاملة تفرضها لحظة دقيقة.
>>>
نحن نعيش مرحلة إقليمية ودولية شديدة السيولة. حرب ممتدة فى غزة وما حولها، توتر فى البحر الأحمر، تحولات فى موازين القوى العالمية، صعود تيارات يمينية فى الغرب، وضغوط اقتصادية عالمية لا ترحم. فى مثل هذا المناخ، لا يكون المطلوب هو المغامرة بتغيير كامل فى البنية التنفيذية، بل الحفاظ على قدر من الاستقرار المؤسسى يسمح بإنهاء الملفات المفتوحة دون ارتباك. استمرار مدبولي، بوصفه عقلًا إداريًا أشرف على مشروعات ضخمة وبرامج إصلاح صعبة، يبدو منطقياً إذا نظرنا إلى الحاجة لاستكمال ما بدأ، وتثبيت النتائج قبل الانتقال إلى مرحلة أخرى.
>>>
المشروعات القومية التى انطلقت خلال السنوات الماضية لم تكن مجرد لافتات، بل بنية تحتية ممتدة، ومدناً جديدة، وشبكات طرق، وتوسعات فى الطاقة والموانئ. هذه الملفات تحتاج إلى «تقفيل» منضبط، وإلى متابعة دقيقة لضمان أن تتحول الاستثمارات الضخمة إلى عائد حقيقى على الاقتصاد والمجتمع. من هذه الزاوية، يصبح الإبقاء على رأس الجهاز التنفيذى مسألة استمرارية لا مجاملة، ومسألة إنجاز لا ولاء.
>>>
وفى المقابل، فإن تغيير بعض الوزراء يمكن قراءته باعتباره محاولة لرفع كفاءة الأداء فى قطاعات بعينها، أو ضخ دماء جديدة تتناسب مع طبيعة المرحلة. ليس كل وزير يصلح لكل توقيت. هناك وزراء مرحلة تأسيس، وآخرون مرحلة إدارة أزمات، وآخرون فى مرحلة حصاد.
الفكرة ليست فى الأشخاص بقدر ما هى فى التوقيت والسياق. الدولة التى تدرك متى تبدّل أدواتها دون أن تهدم بنيتها، هى دولة تعرف ما تفعل.
>>>
عند متابعة الرئيس فى خطاباته المختلفة، يلحظ المرء بوضوح أنه منشغل بكل الملفات، من أكبرها إلى أدق تفاصيلها. هذا الانشغال لايبدو انفعالياً، بل أقرب إلى همّ دائم بالمسئولية. قد يختلف البعض فى التقييم أو فى النتائج، لكن يصعب إنكار أن الرجل يتعامل مع المرحلة باعتبارها سباقاً مع الزمن. كثيراً ما يكرر فكرة أن ما يُنجز اليوم كان يجب أن يُنجز منذ عقود، وأن التأخير لم يعد ترفاً ممكناً. من هنا يمكن فهم طبيعة التكليفات الواضحة التى وُضعت أمام الحكومة، والتى تمثل فى جوهرها «مانيفستو» عمل للمرحلة المقبلة.
>>>
هذه التكليفات، التى تتوزع بين ضبط الأسواق، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وجذب الاستثمارات، ودعم الصناعة، وترشيد الإنفاق، وتحسين الخدمات، ليست عناوين إنشائية، بل أولويات مرتبطة مباشرة بظروف المواطن اليومية وبالضغوط الاقتصادية العالمية. إذا نجحت الحكومة فى تحويل هذه العناوين إلى سياسات قابلة للقياس والمحاسبة، فستكون قد قطعت شوطاً مهماً فى تثبيت الاستقرار الاقتصادى والاجتماعي. وإذا أخفقت، فلن تنفعها كثرة التعديلات أو تبديل الأسماء.
>>>
ما يبدو لى أن الدولة تحاول فعله الآن هو إعادة ضبط الإيقاع. بعد سنوات من البناء المكثف، وربما المرهق أحياناً، تأتى لحظة إعادة التقييم وترتيب الأولويات. لم يعد الهدف فقط هو إطلاق مشروع جديد، بل ضمان تشغيل ما تم بناؤه بكفاءة، وتعظيم عائده، وتخفيف أثر الأزمات العالمية على الداخل. هذا يتطلب جهازاً تنفيذياً منضبطاً، ووزراء قادرين على العمل الجماعى لا الفردي، وعلى قراءة ما بين السطور فى المشهد الإقليمى والدولي.
>>>
لا أستبعد أن نشهد إجراءات أخرى خلال الفترة المقبلة، سواء على مستوى السياسات أو فى أدوات التنفيذ. فإعادة ترتيب الأوراق لا تتم بقرار واحد، بل بسلسلة قرارات متتابعة تشكل فى مجموعها خريطة طريق أكثر وضوحاً. الأهم أن تكون هذه الخريطة مفهومة للداخل قبل الخارج، وأن يشعر المواطن بأن ما يحدث ليس مجرد حركة فى الكراسي، بل جزء من تصور أوسع لمستقبل أكثر أماناً واستقراراً.
>>>
فى النهاية، قد يختلف الناس فى التقدير والتحليل، لكن الثابت أن المرحلة دقيقة، وأن إدارة دولة بحجم مصر فى هذا التوقيت ليست مهمة سهلة. بين الضغوط الاقتصادية والتحديات الإقليمية، تبدو إعادة ترتيب الأوراق ضرورة لا رفاهية. والرهان الحقيقى ليس على الأسماء، بل على القدرة على تحويل التكليفات إلى نتائج، والخطط إلى واقع ملموس.









