ما إن إنتهى أطول ماراثون إنتخابى شهدته الحياة البرلمانية فى مصر حتى تحول جميع الناخبين من أبناء الشعب المصرى إلى متابعة أداء أعضاء مجلس النواب الجديد سواء الذين تم إختيارهم من خلال قائمة موحدة تضمنت 284 نائباً وهو ما يمثل نصف عدد النواب بالإضافة إلى عدد مماثل تم إنتخابهم.. بعضهم ممثلين عن أحزابهم والبعض الآخر من المستقلين …وهنا يجب أن أشيد بتدخل السيد رئيس الجمهورية شخصياً فى دعوته الهيئة الوطنية للإنتخابات إلى إلغاء كلى أو جزئى للمرحلة الأولى للإنتخابات نتيجة المخالفات التى شهدتها بعض الدوائر وهو الأمر الذى ترتب عليه إلغاء نتائج الإقتراع بنظام الفردى فى 30 دائرة إنتخابية بالإضافة إلى الخطوة المماثلة التى إتخذتها المحكمة الإدارية العليا بإلغاء الإنتخابات فى 19 دائرة مما ترتب عليه إعادة الإنتخابات فى 49 دائرة من إجمالى 70 فى المرحلة الأولى وهو ما أدى إلى إنضباط العملية الإنتخابية فى المرحلة الثانية ..وقد ترتب على هذا التدخل الرئاسى حصول أحزاب المعارضة و المستقلين على عدد 158 مقعداً بواقع 28 % من اعضاء المجلس وهو ما يمثل مؤشراً مهماً على إتساع هامش التعدد داخل المجلس مقارنة بدورات سابقة وهو ما يفرض مسئوليات مضاعفة تجاه الشعب سواء من الأغلبية أو المعارضة لتحويل هذا التنوع إلى قيمة مضافة فى الأداء التشريعى والرقابى ويعكس حضوراً نسبياً لقوى سياسية ذات مرجعيات تختلف عن الأحزاب السياسية الرئيسية التى حصدت الأغلبية فى عدد المقاعد والتى بلغت 410 مقاعد وهو ما يمثل 72 % من إجمالى المقاعد….وهنا نعود إلى مطالب الناخبين الذين شاركوا فى العملية الإنتخابية والذين بلغت نسبة مشاركتهم 32.4 % ممن لهم حق التصويت.
لاشك أن المؤتمرات الإنتخابية قد شهدت وعوداً كبيرة تختلف من دائرة إلى أخرى حسب طبيعتها حيث ينظر الشعب إلى نائبه على إنه أداة لتوصيل مطالبه إلى السلطة التنفيذية والإدارية حتى ولو كانت مطالب شخصية مثل تعيين الأبناء فى الوظائف الحكومية أو العلاج على نفقة الدولة ..أو مطالب تتعلق بالمجتمع الذى يعيش فيه مثل رصف الطرق أو الصرف الصحى أو إنشاء مراكز رياضية للشباب وما إلى ذلك من مطالب يقابلها وعود يتمنى الناخب إلى أن تتحقق فى أول يوم من ايام إنعقاد جلسات المجلس وسرعان ما يهاجم نائبه إذا لم يتم تنفيذ ذلك من خلال إنتقاده ومهاجمته عبر وسائل التواصل الإجتماعى أو أمام مقره الإنتخابى ولعل ذلك يرجع إلى أن النائب يقوم بمهمة إضافية بخلاف دوره التشريعى والرقابى للحكومة وهى مهمة خدمية لأبناء دائرته على أساس عدم وجود إدارات محلية قادرة على تحقيق رغبات المواطن وهو ما ينعكس على صعوبة الدور الذى يقوم به النائب سواء فى أدائه البرلمانى أو الخدمى معاً ويؤدى إلى تعرضه للنقد على هذا وذاك.
وعلى الرغم من ذلك فإننى أرى إن تشكيل مجلس النواب على النحو المشار إليه يدعوا إلى التفاؤل خاصة مع وجود عدد معتبر من المستقلين والمعارضة الذين ثبت أن لهم أرضيه لا يستهان بها فى دوائرهم وإنهم قادرون على تحقيق آمال ناخبيهم.. كما كانت الدولة حريصة على وضع برنامج تدريبى لعدد 390 نائباً جديداً وهو عدد يتجاوز 50 % من أعضاء المجلس فيما سوف يثرى أداء النائب سواء الرقابى والتشريعى وكذلك الخدمى من خلال تعريفه بأساليب التواصل مع الأجهزة التنفيذية والإدارية بالدولة .
من ناحية أخرى فإن أجندة المستقلين والمعارضة قد تختلف بعض الشئ عن أجندة الأغلبية حيث تضع مصالح المواطن الذى أنتخبهم فى الأولوية خاصة وأن نواب القائمة قد لايمثلون دوائرهم الإنتخابية بل ومنهم لا يمثل المحافظة التى تم وضعه عليها ….ومن هنا فإن هناك عبئا كبيرا سوف يقع على المستقلين والمعارضة لتحقيق وعودهم الإنتخابية وتحويلها إلى واقع ملموس يشعر به كل مواطن بعيداً عن لغة الأرقام والخطط الإقتصادية طويلة الأمد والعمل على إيجاد حلول آنية وعاجلة تتماشى مع الظروف الراهنة التى إنهكت كاهل شريحة كبيرة من الشعب المصري.. كذلك لابد أن يكون هناك تواصلاً مستمراً بين النائب وناخبيه وتوضيح ما يتم إنجازه تشريعياً ورقابياً بعيداً عن الوعود الشعبوية والخطابات العاطفية والعمل على نشر ثقافة الوعى السياسى لدى الناخب حتى لا تكون مطالبة غير قابلة للتنفيذ وهو إدراك لايزال بحاجة إلى ترسيخ أوسع لدى قطاعات عديدة من أبناء الشعب.
من المؤكد أن الإسراع فى إصدار قانون المحليات والنظر فى القوانين التى تنظم الحياة اليومية للمواطن سوف يكون لها تأثيرها الإيجابى على أداء النواب وأعضاء المجالس المحلية حيث كلاهما سوف يكون مكملاً للآخر شريطة أن يتم وضع معايير محددة لإختيار أعضاء المحليات ووضع ضوابط تمنع تسلل العناصر المخربة والتى تعمل لحسابها الشخصى منعاً لإنتشار الفساد الذى ترتب عليه تجميد صدور قانون المحليات منذ عام 2008 وهو الأمر الذى يجب أن تتم معالجته من خلال برامج توعية يتم خلالها شرح دور المحليات والأدوات الرقابية عليها كما هو الحال بالنسبة لمجلس النواب الذى يخضع فى المقام الأول إلى رقابة الشعب عليه.
تابعت بنفسى ردود فعل بعض الناخبين من أبناء بعض الدوائر سواء فى المناطق الشعبية أو الراقية على ضوء متابعة الجلسات الأولى للبرلمان فى ثوبه الجديد حيث تباينت الرؤية لديهم ما بين متفائل ومتشائم وغير المبالى إلا أن نسبة كبيرة منهم ترى أن هناك فرصة للبرلمان الجديد برغم حداثه عدد كبير من أعضائه وضآلة ثقافتهم السياسية والنيابية إلا إننا مازلنا فى الأيام الأولى من بدء هذا الفصل التشريعى ولابد أن نعطى الفرصة لهم كى يكتسبوا الخبرة والقدرة على التعبير عن مطالبهم ورؤيتهم خاصة على ضوء وجود عدد لا يستهان به من النواب والنائبات من الشباب دفعت بهم أحزابهم من خلال القائمة المغلقة المطلقة مازالوا فى حاجة إلى الدراسة والفهم والتدريب والكتابة والإلقاء وهو أمر محمود….كذلك فإن وجود 158 نائباً ما بين المعارضة والمستقلين يعطى أملاً فى أن يكون هناك ضمانة على قدرة هؤلاء على إحداث الفارق فى الأداء البرلمانى لصالح المواطن وبما يعطى مساحة كافية للتعبير عن احتياجاته بما يخفف الأعباء عنه من خلال استصدار قوانين تحقق ذلك بالتنسيق مع الحكومة حيث إن هذا العدد فى تركيبة البرلمان الحالى يسمح لهم بإستخدام عدد من الأدوات البرلمانية بغض النظر عن إحتياجهم لتوقيعات أو مساندة من إئتلاف الأغلبية من الأحزاب الرئيسية الموجودة داخل البرلمان ومن بينها الإستجوابات والمسائلة والتشريع والرقابة وغيرها وهو جهد يتطلب العمل على كسب الرضاء الشعبى والوصول إلى تقبل أداء ناخبيه وهو جهد لو تعلمون عظيم .
ومن هنا فإننى أناشد المواطن العادل أن يعطى الفرصة لأعضاء المجلس الجدد على الأقل إلى نهاية دور الإنعقاد الأول وبعد ذلك يكون لكل حادث حديث.









