فى عملية السرد يمكن للأشياء أن تتحول عن أصلها، وأن تكشف عن طاقتها فى الحكى عبر براعة المتخيل، حيث يعتمد الحاكى الماهر إلى مخالفته للواقع، وإلى مخالفة التاريخ عبر مهارة واحتيال الحاكي، وعلى نحو يجعل الرواية أكثر اغواء باستعارة أدوات هذا الحاكى ليمنح اللغة بهائها، ولينزع عن التاريخ سلطته وسطوته، ويبعد الدين عن نواصيه، وبإتجاه تتحول فيه الرواية إلى خطاب تمثيلي، وهذا بالفعل ما تستند عليه أدوات حروب الجيل الرابع (4GW) والتى تعتمد على أدوات غير تقليدية تهدف لزعزعة استقرار الدول من الداخل دون مواجهة عسكرية مباشرة، مستخدمة أدوات مثل الإرهاب وحروب العصابات، الحرب النفسية والإعلامية، الحصار الاقتصادي، الهجمات السيبرانية، وتأليب الرأى العام عبر شبكات التواصل الإجتماعي، بهدف تطويع إرادة الدولة، اعتماداً على مبدأ «تسخير إرادات الآخرين» ولكن ما زاد الأمر تعقيداً هو ظهور حروب الجيل الخامس (5GW) التى تعتمد بشكل أساسى على أدوات غير حركية، مثل الهجمات السيبرانية، التضليل الإعلامي، الذكاء الاصطناعي، والحروب النفسية، بهدف تدمير الدولة من الداخل عبر إستهداف الوعى المجتمعى والبنية التحتية المعلوماتية دون مواجهة عسكرية مباشرة. والفرق بينهما هو أن الجيل الرابع يدور حول زعزعة استقرار الدولة من الداخل عبر استغلال الانقسامات المجتمعية والحروب بالوكالة، بينما يركز الجيل الخامس على إحتلال العقول وتدمير النظم التكنولوجية والمعلوماتية، مستخدما الذكاء الاصطناعى والإعلام الموجه. ، ولكن من وجهة نظرنا فإن الوعى الجمعى للشعوب، يمثل الأساس الحصين للإستقرارالإجتماعى والسياسى، لأنه سيكون حائط الصد ليس فى منع هزيمة الدولة عسكرياً فقط ولكن ضد التأثير الخفى على تفكير شعبها وسلوكياته، مما يؤدى إلى إسقاط مؤسساتها.هذه الحروب ليست مجرد نظريات أكاديمية مجردة،إنها واقع ملموس، فالدولة المصرية واجهت حملات مكثفة وممنهجة من هذا النوع خلال العقد الماضى، تهدف إلى استهداف الوعى الشعبى الجمعى بشكل مباشر وإثارة الفتن الداخلية التى قد تؤدى إلى إنقسامات عميقة. وهو ما أكده الرئيس السيسى فى عدة مناسبات رسمية، ومتيقنا أنه لم تعد الحروب تقتصر على الإشتباكات العسكرية التقليدية، بل أصبحت تركز على إستهداف العنصر الأكثر أهمية وحساسية فى أى مجتمع وهو الوعى الجمعى للشعوب. حيث يصبح الخصم غير مرئي، ويستخدم الإعلام كأداة للدعاية، الثقافة للتأثير على القيم، والاقتصاد للضغط غير المباشر كأسلحة رئيسية بدلاً من السلاح التقليدى.. ولكن فى مصر فالأمر أصبح بعيد بعد تحذيرات الرئيس السيسى من حروب الجيل الرابع والخامس التى تمثل خطراً شديداً على أمن مصر، وهو ما يتطلب إستثمارات هائلة فى الأمن السيبرانى ورقابة المعلومات، وهو ما سنتاوله فى المقال القادم إن شاء الله.









